هل يمكن للأسوار أن تُبنى فوق زبد الماء؟
إن محاولة فرض الحصار البحري على إيران تضع المجتمع الدولي أمام تساؤلات وجودية حول سيادة الدول وقوة القانون في مواجهة قانون القوة. فالبحار، التي كانت دوماً جسوراً للتواصل بين الحضارات، تتحول اليوم إلى ساحة للصراع الإرادات. وفي هذا السياق، جاءت تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لتؤكد أن المياه الإقليمية ليست مضماراً لفرض الإملاءات الأحادية، بل هي جزء أصيل من النظام الدولي الذي يستند أمنه إلى التعاون لا إلى الترهيب.
مضيق هرمز: شريان الهوية ومعقل الصمود
يصف الرئيس بزشكيان مضيق هرمز بأنه جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية الإيرانية، وهو وصف يتجاوز الجغرافيا ليلامس عمق الوجدان الشعبي. هذا الممر المائي الاستراتيجي، الذي يمثل عنق الزجاجة لإمدادات الطاقة العالمية، تراه طهران رمزاً لصمودها أمام القوى الاستعمارية.
وتتجلى الرؤية الإيرانية في نقاط حاسمة حددها الرئيس:
- فشل الحصار: أي قيود بحرية خارج إطار القانون الدولي مصيرها الإخفاق المحتوم.
- مسؤولية الأمن: تتحمل الولايات المتحدة وإسرائيل التبعات القانونية والأمنية لأي اضطراب في المياه الإقليمية.
- حرية الملاحة: تلتزم إيران بتأمين الملاحة لجميع الدول، مستثنية من ذلك الجهات التي تصنفها كـ "قوى معادية".
طبول الحرب وتحالفات ما بعد الصراع
في المقابل، لا تبدو الأجواء في واشنطن أقل صخباً؛ حيث تشير التقارير إلى تحركات مكثفة لإحكام الطوق حول طهران. إن ما يجري خلف الأبواب المغلقة في البيت الأبيض يتجاوز مجرد التصريحات الدبلوماسية إلى خطط ميدانية ملموسة:
- خطة سنتكوم العسكرية: انتهت القيادة المركزية الأمريكية من إعداد سيناريوهات لضربات خاطفة وقوية تستهدف مفاصل حيوية في العمق الإيراني.
- التحالف الدولي للملاحة: تسعى إدارة ترمب عبر برقيات ديبلوماسية لحشد دول أخرى لتشكيل هيكل أمني بحري جديد في الشرق الأوسط.
- الضغط الاقتصادي المستدام: مناقشات مستمرة مع شركات النفط الكبرى لضمان استمرارية الحصار لأشهر طويلة، بهدف تجفيف منابع التمويل.
القواعد الأجنبية: وهم الأمن المفقود
يرى بزشكيان أن الوجود العسكري الأجنبي، وخاصة القواعد الأمريكية، لم يكن يوماً صمام أمان للدول المضيفة، بل كان سبباً في استجلاب القلق وتعريض الاستقرار للخطر. إنها مفارقة سياسية كبرى؛ حيث يتحول "الحامي" المفترض إلى مصدر للتهديد، مما يجعل من أمن المنطقة مطلباً لا يتحقق إلا بأيدي أبنائها بعيداً عن التدخلات العابرة للقارات.
خاتمة: مرافعة عن حق البقاء
إن الصراع حول الحصار البحري على إيران ليس مجرد نزاع على ممرات مائية، بل هو اختبار حقيقي لمدى احترام العالم لسيادة الشعوب. وفيما تتلاطم أمواج السياسة بين التهديد العسكري والضغوط الاقتصادية، تبقى الحقيقة الثابتة أن التاريخ لا يكتبه من يملكون المدافع فحسب، بل يكتبه من يمتلكون الإرادة للوقوف في وجه العاصفة. إن الحكمة تقتضي أن تظل البحار فضاءً للسلام، فالحروب التي تبدأ في الماء غالباً ما تنتهي بإحراق اليابس، ولا رابح في صراع يسعى لتحويل الشرايين الدولية إلى قيود مكبلة.



اترك تعليقاً