صروح البر ومنارات العلم: الأوقاف الإسلامية وأثرها في النهضة العلمية المملوكية

صروح البر ومنارات العلم: الأوقاف الإسلامية وأثرها في النهضة العلمية المملوكية

صروح البر ومنارات العلم: الأوقاف الإسلامية وأثرها في النهضة العلمية المملوكية

حين انطوت صفحة الدولة الأيوبية وبزغ فجر المماليك (648 – 923هـ / 1250-1517م)، لم يكن الأمر مجرد انتقال في موازين القوى السياسية، بل كان استهلالاً لعهدٍ رصينٍ شيدت فيه الأمة حصوناً من العلم والعمل. لقد بسط المماليك سلطانهم على مصر والشام، فكانوا حماة الثغور في وجه العواصف المغولية والصليبية، وصنّاع نهضةٍ فكريةٍ كبرى اتخذت من الأوقاف العلمية في عصر المماليك ركيزةً أساسيةً لبناء مجدٍ حضاريٍّ لا يزال التاريخ يرتل آياته في صفحات الخلود.

عبقرية الوقف: المورد الثرّ للحضارة المملوكية

لقد أضحت مصر وبلاد الشام في هذا العصر مركزاً للتجارة العالمية وقبلةً للعلماء، مما أفضى إلى ثراءٍ واسعٍ لم يذهب هباءً، بل وُجّه نحو إحياء شعائر الدين وإقامة المنشآت العلمية. وإن من أعظم مآثر علماء ذلك العصر أنهم استطاعوا، في زمنٍ قياسي، جمع شتات الفكر الإسلامي الذي تعرض للنهب والإحراق على يد المغول، فكان الوقف هو الشريان الذي ضخ الحياة في جسد هذه النهضة.

لقد ورث المماليك عن الأيوبيين نظاماً وقفياً متيناً، حيث استعمل السلطان صلاح الدين الأيوبي وأسرته الأوقاف لتدعيم الجهاد الديني والإنفاق على المدارس، وسار المماليك على هذا النهج بفيضٍ أغدق وأوسع.

تراتيب الأوقاف وأنواعها: هندسة البرّ المؤسسي

انقسمت الأوقاف في هذا العصر إلى ثلاثة أركانٍ متينة:

  1. الأحباس: ويشرف عليها دوادار السلطان، وتُعنى بمصالح المساجد والزوايا وجهات البر.
  2. الأوقاف الحكمية: ويترأسها قاضي القضاة الشافعي، وتُصرف على الحرمين الشريفين والصدقات وفك الأسرى.
  3. الأوقاف الأهلية: وهي التي يقفها الأفراد لصالح الخوانق والمدارس والجوامع، ويشرف عليها ناظرٌ خاص.

ولضمان جودة الأداء، عُيّن «ناظر الوقف» الذي اشترط فيه القلقشندي (ت 821هـ) النزاهة والعفة، حيث جاء في نسخة توقيعه: «ولما كان فلان هو الذي لا يتدنس عرضه بشائبة، ولا تمسه المصالح وهي عن فكره غائبة… فليباشر هذه الوظيفة مباشرة حسنة التأثير، جميلة التثمير… وليتبع شروط الواقفين ولا يعدل عنها… ويندرج في هذه الأوقاف ما على المساجد ومواطن الذكر، فليقم شعارها، وليحفظ آثارها، وليرفع منارها».

المساجد والمدارس: وحدة الهدف واستدامة المورد

لم تكن المساجد في عصر المماليك مجرد دورٍ للعبادة، بل كانت جامعاتٍ تعجّ بالنشاط العلمي بفضل الأوقاف. فما بُني مسجدٌ إلا وقُرر له وقفٌ يُصرف منه على الأئمة والمدرسين والطلبة. وعندما ساءت أحوال جامع عمرو بن العاص والأزهر في عام 687هـ، اشتكى قاضي القضاة للسلطان قلاوون، معللاً ذلك بأن «الأحباس على أسوأ الأحوال»، مما يؤكد أن الوقف هو روح المؤسسة العلمية.

وكذلك كان حال المدارس الرسمية؛ فالأوقاف هي التي ثبتت أركانها، وكان الريع الضمان الوحيد لاستمرار الرسالة التعليمية. ويقول المقريزي (ت 845هـ) عن المدرسة الجمالية حين تعطلت: «وقد تلاشى أمر هذه المدرسة لسوء ولاة أمرها وتخريبهم أوقافها، وتعطل منها حضور الدرس».

البيمارستان المنصوري: حين غدا الوقف جامعةً للطب

يُعد البيمارستان المنصوري، الذي شيده السلطان المنصور قلاوون عام 682هـ، درة التاج في الأوقاف الطبية. لقد كان مستشفىً جامعاً وجامعةً لتدريس الطب، حيث أباح السلطان التداوي فيه لكل فئات الشعب، وجاء في وثيقة وقفه عام 684هـ: «وأبحنا التداوي فيه لكل شريف ومشروف، ومأمور وأمير، وساوينا في الانتفاع به بين كل صغير وكبير، وعلمنا أن لا نظير لنا في ملكنا، ولا نظير له في إبقائه، فلم نجعل لوقفه وشرطه من نظير».

التنظيم الطبي والتعليمي في البيمارستان:

  • التخصصات: انقسم الأطباء إلى طبائعيين (باطنة)، وجرائحيين، وكحالين (عيون).
  • التعليم العملي: خُصص مكان لرئيس الأطباء لإلقاء المحاضرات، وصدرت مراسيم سلطانية بتعيين المدرسين، جاء في أحدها: «وليجمع عنده شمل الطلبة، وليعط كل طالب ما طلبه… وليشرح لهم صدره، وليبذل لهم من عمره شطره، وليكشف لهم من هذا العلم المكنون سره».
  • الصيدلة والتمريض: وُجد نظامٌ دقيقٌ لصرف الأدوية وتحضير المعاجين، مع وصايا صارمة للصيادلة بمراقبة جودة العقاقير.

خزائن الكتب: حراسة التراث من الضياع

في الوقت الذي كانت فيه كتب بغداد تُغرق في دجلة، كانت أوقاف المماليك تشيد المكتبات وتحفظ المخطوطات. تعددت المكتبات بين ملحقة بالمساجد (كالجامع الخطيري والحاكمي) والمدارس (كالفاضلية والظاهرية).

وقد وُضع لهذه المكتبات نظامٌ دقيقٌ يشرف عليه «خازن الكتب»، وعنه يقول تاج الدين السبكي: «وحق عليه الاحتفاظ بها، وترميم شعثها، وحبكها عند احتياجها للحبك… وأن يقدم في العارية الفقراء الذين يصعب عليهم تحصيل الكتب على الأغنياء». وكان لبعض الأمراء والعلماء مكتبات خاصة عظيمة، كابن النفيس الذي وقف كتبه على البيمارستان المنصوري.

النظم الإدارية والتربوية: الوقف شريعةً ومنهاجاً

لم يكن كتاب الوقف مجرد صكٍ مالي، بل كان «لائحةً تنظيمية» تحدد كل تفاصيل الحياة العلمية:

  • وظيفة النظر: وهي المسؤولية عن تنمية أموال الوقف وصرفها في مصارفها، وقد تولاها السلاطين وكبار القضاة.
  • الوظائف المساندة: كالبواب لتنظيم الدخول، ونقيب الطلبة لمراقبة أحوالهم، وكاتب الغيبة لضبط الدوام.
  • المدن الجامعية: عرف العصر المملوكي سكن الطلاب الملحق بالمدارس، ووفر لهم خدماتٍ راقية، ووضع ابن جماعة (ت 733هـ) آداباً رفيعة للسكن في كتابه «تذكرة السامع والمتكلم».
  • المرتبات والمعونات: خُصصت مبالغ شهرية ومعونات عينية (خبز، لحم، سكر) للمدرسين والطلاب، مما أتاح لهم التفرغ التام للطلب والتحصيل.

بواعث النهضة الوقفية

تضافرت عوامل عدة لهذا الازدهار، منها:

  1. العامل الاقتصادي: متانة الاقتصاد المملوكي القائم على الزراعة والتجارة.
  2. العامل الديني: الرغبة في التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، عملاً بقوله عز وجل: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ)، واقتداءً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من أحب الله عز وجل فليحبني، ومن أحبني فليحب أصحابي، ومن أحب أصحابي فليحب القرآن، ومن أحب القرآن فليحب المساجد، فإنها أفنية الله أبنيته، أذن الله في رفعها».
  3. العامل السياسي: رغبة السلاطين في تخليد مآثرهم وحماية ذرياتهم من مصادرات الأملاك عبر وقفها على وجوه البر.

خاتمة

إن الأوقاف في عصر المماليك لم تكن مجرد أموالٍ محبوسة، بل كانت عقلاً يدبّر، وقلباً ينبض بالرحمة، ويداً تبني صروح المعرفة. لقد أثبت التاريخ أن الوقف هو «السرّ الكامن» وراء استدامة الحضارة الإسلامية وعزّها. فرحم الله باني تلك الصروح، وحفظ على أمتنا تراثها، وجعلنا ممن يستنّ بسنة الوقف في نشر العلم والخير.

والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *