صلاة التراويح: فضلها، أحكامها، وسنة النبي ﷺ في قيام رمضان

# صلاة التراويح: مشكاة المؤمن في ليالي رمضان المباركة

تطل علينا نفحات شهر رمضان المبارك، حاملة معها أريج الطاعات وعطر القربات، ومن بين تلك العبادات التي تشرح الصدور وتضيء القلوب تبرز صلاة التراويح كواحدة من أعظم الشعائر التي ميز الله بها هذا الشهر الكريم. إنها ليست مجرد ركعات تُؤدى، بل هي رحلة إيمانية يرحل فيها العبد بقلبه وروحه نحو آفاق الرضا والقبول، مستناً بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومقتفياً أثر الخلفاء الراشدين المهديين من بعده.

مشروعية صلاة التراويح وأصلها في السنة

لا ريب أن صلاة التراويح قربة وعبادة عظيمة مشروعة، ولها مكانة سامقة في وجدان الأمة الإسلامية. لقد وضع لبنتها الأولى نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، حيث صلاها ليالي بالمسلمين في المسجد، فاجتمع الناس خلفه يبتغون الفضل والرحمة. ولكن، ومن باب رحمته بأمته وشفقتة عليهم، ترك النبي صلى الله عليه وسلم الخروج إليهم بعد ليالٍ معدودة، ولم يكن ذلك زهداً في الفضل، بل لأنه خاف أن تُفرض عليهم صلاة الليل في رمضان فتعجز الأمة عن القيام بها، فأرشدهم صلوات الله وسلامه عليه إلى الصلاة في البيوت.

واستمر الأمر على ذلك في بقية حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي خلافة الصديق أبي بكر رضي الله عنه، حيث كان الناس يصلون فرادى أو في مجموعات صغيرة. فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وأفضت الخلافة إلى الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، دخل المسجد في إحدى ليالي رمضان، ورأى الناس يصلونها أوزاعاً؛ هذا يصلي لنفسه، وهذا يصلي لرجلين، وهذا لأكثر. بصيرته الإيمانية وحرصه على وحدة المسلمين جعلاه يقول: “لو جمعناهم على إمام واحد لكان أمثل”.

وهكذا، جمع عمر رضي الله عنه الناس على أُبي بن كعب رضي الله عنه، وصاروا يصلونها جميعاً في جماعة واحدة، منتظمين خلف إمام واحد يشنف آذانهم بآيات الله. واحتج عمر رضي الله عنه على مشروعية هذا العمل بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» (رواه البخاري ومسلم واللفظ متفق عليه). كما استند الفاروق إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الليالي الأولى، معتبراً أن علة التوقف عن الجماعة (وهي الخوف من الفرضية) قد زالت بانقطاع الوحي ووفاة النبي ﷺ.

فضل قيام رمضان مع الإمام

إن في اجتماع المسلمين خلف إمام واحد في صلاة التراويح مصالح عظيمة لا تعد ولا تحصى. فبالإضافة إلى مظهر الوحدة والائتلاف، فإن المسلم يحظى بفرصة استماع كتاب الله كاملاً أو ما تيسر منه بتدبر وخشوع. وقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم في لزوم الجماعة في هذا القيام، حيث جاء في الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» (رواه الترمذي وابن ماجه والإمام أحمد).

يا له من أجر عظيم! أن يكتب الله لك قيام ليلة كاملة بمجرد أن تصلي مع إمامك حتى ينهي صلاته. إن هذا الحديث يبعث في النفس الهمة لملازمة المساجد، والحرص على عدم الانصراف قبل الإمام، طلباً لهذا الثواب الجزيل الذي يضاعفه الله لمن يشاء في هذه الليالي المباركة التي ينعكس أثرها الإيجابي على الشخصية المسلمة، فتهذب سلوكها وتصفي سريرتها.

وقت صلاة التراويح وكيفية أدائها

يبدأ وقت صلاة التراويح من بعد صلاة العشاء، ويستمر ممتداً إلى قبيل طلوع الفجر. حيث يهرع المسلمون إلى بيوت الله بعد أداء فريضة العشاء وسنتها الراتبة، ليشرعوا في هذا القيام المبارك. ويجوز للمرأة أن تصليها في بيتها، ولها في ذلك أجر عظيم، كما يصليها المسلم في بيته إن تعذر عليه الخروج للمسجد لمرض أو عذر، فهي نافلة تقرب العبد من ربه وتضاعف له الأجر والثواب.

أما عن كيفية أدائها، فهي صلاة تُصلى مثنى مثنى، أي ركعتين ركعتين. يبدأ المسلم صلاته بتكبيرة الإحرام، ويقرأ الفاتحة وما تيسر له من القرآن، ثم يركع ويسجد كما في الصلوات المكتوبة. وعند انتهاء الركعة الثانية، يجلس للتشهد والصلاة الإبراهيمية ثم يسلم. وهكذا يكرر الأمر في كل ركعتين.

وقد سُميت بالتراويح لأن المسلمين كانوا يستريحون بين كل أربع ركعات (أي بعد كل تسليمتين)، نظراً لطول القراءة والقيام، وفي هذا مراعاة للضعفاء وكبار السن والمرضى، ليكون القيام عبادة محببة لا مشقة فيها تنفر القلوب.

عدد ركعات صلاة التراويح: سعة ورحمة

لقد اختلف العلماء والفقهاء في تحديد عدد ركعات صلاة التراويح، وهذا الاختلاف هو اختلاف تنوع وسعة لا اختلاف تضاد. فالسؤال الذي يطرحه الكثيرون: كم ركعة كان نبينا محمد ﷺ يصليها؟

  • الرأي الأول: ذهب بعض العلماء إلى أن عدد ركعاتها هو إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة، استناداً إلى حديث عائشة رضي الله عنها في صفة صلاة النبي ﷺ.
  • الرأي الثاني: ذهب كثير من الفقهاء إلى أنها عشرون ركعة، وهو ما استقر عليه العمل في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه والعديد من الأمصار الإسلامية عبر القرون.
  • القاعدة العامة: صلاة التراويح نافلة، والأمر فيها واسع. فمن صلى ثماني ركعات فقد أصاب السنة، ومن زاد إلى عشرين أو أكثر فلا حرج عليه، بل له الأجر المضاعف. فما أديت فلك به أجر، وإن ضاعفت عدد الركعات زادك الله من فضله، فالعبرة بخشوع القلب وطمأنينة الجوارح لا بمجرد العدد.

مسك الختام: صلاة الوتر

ينتهي قيام الليل بصلاة الوتر، وهي صلاة ذات عدد ركعات فردي. يمكن للمسلم أن يوتر بركعة واحدة، أو بثلاث ركعات بتسليمة واحدة أو بتسليمتين (شفع ووتر). وتعتبر صلاة الوتر هي الختام المسك لصلاة التراويح، حيث يرفع العبد يديه بالدعاء (القنوت) سائلاً الله من خير الدنيا والآخرة، ومستعيذاً به من عذابه.

إن صلاة التراويح هي مدرسة تربوية سنوية، يتعلم فيها المسلم الصبر، والمجاهدة، والتلذذ بمناجاة الخالق. إنها الليالي التي تذرف فيها العيون دموع الخشية، وتلهج فيها الألسن بذكر الله، وتجتمع فيها الأمة على مائدة القرآن الكريم. فاحرص أخي المسلم على أن يكون لك نصيب وافر من هذا القيام، ولا تحرم نفسك من أجر “قيام ليلة كاملة” بملازمة إمامك، لعل الله أن يكتبك في هذا الشهر من العتقاء من النار، ومن المقبولين الذين غفر لهم ما تقدم من ذنبهم.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *