مقدمة: الصلاة عماد الدين وقرة عين المؤمنين
أيها المسلمون، يا عباد الله، إن الصلاة هي الركن الركين، والعماد المتين لهذا الدين العظيم. لو علم المسلمون حقاً قدر الصلاة عند الله -تعالى-، وأدركوا حجم نفعها العظيم لهم في عاجل أمرهم وآجلهم، لما ضيعوا منها ركعة، ولما فرطوا في شيء من واجباتها أو سننها. إن الصلاة هي حبل الوصل بين العبد وخالقه، وهي النور الذي يضيء ظلمات القلوب، والسكينة التي تنزل على الأرواح المتعبة.
إن المؤمن الحق هو الذي يبكر إلى المساجد شوقاً لأدائها، ويجتهد في حضور قلبه والخشوع في محرابها، ولا يقف اهتمامه بها عند نفسه فحسب، بل يجعلها محور حديثه مع أهله وأولاده؛ يحضهم عليها، ويبين لهم فضلها، ويحذرهم من مغبة تركها، ويتعاهدهم على أدائها بانتظام، امتثالاً لقول الله تبارك وتعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}[طه: 132].
صلاة العشاء: ختام اليوم المعطر بالطاعة
تأتي صلاة العشاء لتكون مسك الختام لفرائض اليوم والليلة؛ فهي صلاة جهرية رباعية، يختم بها المؤمن يومه ليبيت على طاعة وذكر. وقد خصها الشارع الحكيم بفضائل جليلة، ومزايا عظيمة ترفع درجات المؤمنين.
لقد جاء في فضلها حديث عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ..» (رواه مسلم). تأملوا يا رعاكم الله في هذا الأجر العظيم! بمجرد أدائك لهذه الصلاة في بيت من بيوت الله مع إخوانك المسلمين، يكتب الله لك أجر قيام نصف الليل، وهو فضل لا يزهد فيه إلا محروم.
صلاة العشاء وميزان الإيمان والنفاق
إن صلاة العشاء هي الميزان الدقيق الذي يتبين به صدق الإيمان من زيف النفاق. فقد بين النبي -صلى الله عليه وسلم- أنها صلاة ثقيلة على المنافقين؛ والسبب في ذلك واضح جلي، فالناس في ذلك الوقت وفي كل وقت، يعملون نهارهم ويجهدون في طلب معاشهم، فإذا أقبل الليل غلبهم النوم ومالت نفوسهم إلى الراحة، فلا ينتظر العشاء ولا يغالب النوم لأجلها إلا مؤمن حي القلب، مشتاق لربه، يفضل لقاء الله على لذة الرقاد.
ومن أشد ما ورد في التحذير من تضييعها، حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ» (رواه مسلم).
وفي رواية أخرى لمسلم تظهر مدى استهانة المنافقين بالدين، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وَلَوْ عَلِمَ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا لَشَهِدَهَا» يعني: صلاة العشاء. إن هذه الروايات تدق ناقوس الخطر في قلب كل مسلم، لتؤكد أن من حافظ على العشاء والفجر في جماعة فقد برئ من صفات المنافقين، وأن التخلف عنهما هو من شيم من سكن النفاق قلوبهم.
وقت صلاة العشاء وسنة التأخير
يبدأ وقت صلاة العشاء شرعاً بعد غياب الشفق الأحمر من الأفق، وقد أشار المولى سبحانه وتعالى إلى هذا الوقت في قوله: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ}[الإسراء: 78]. وغسق الليل هو اشتداد ظلمته، وهو الوقت الذي يجمع صلاتي المغرب والعشاء.
أما عن الأفضلية في وقت أدائها، فإن السنة النبوية المطهرة دلت على استحباب تأخير العشاء ما لم يشق ذلك على المصلين. فعن أبي برزة الأسلمي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «كَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ» (رواه الشيخان).
وقد ورد في السنة أحاديث كثيرة تصف تأخير النبي صلى الله عليه وسلم لها، منها حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: أعتم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة بالعشاء، وذلك قبل أن يفشو الإسلام، فلم يخرج حتى قال عمر: نام النساء والصبيان؛ فخرج، فقال لأهل المسجد: «مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ غَيْرَكُمْ» (رواه الشيخان).
وكذلك في حديث أبي موسى -رضي الله عنه- حين أعتم النبي بالصلاة حتى ابهارَّ الليل (أي انتصف أو كاد)، ثم خرج فصلى بهم وقال: «عَلَى رِسْلِكُمْ، أَبْشِرُوا، إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ».
متى يكون التعجيل أفضل من التأخير؟
رغم فضل التأخير، إلا أن الشريعة الإسلامية مبنية على التيسير وعدم المشقة. فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا هَكَذَا» (متفق عليه). لذا، فإنه إذا كان التأخير يؤدي إلى مشقة على الناس، أو كان الإمام في مسجد يراعي جماعته، فإن السنة هي ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم كما وصفه جابر -رضي الله عنه-: «كَانَ إِذَا رَآهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ» (رواه الشيخان).
أما بالنسبة للمرأة في بيتها، فالسنة في حقها أن تؤخر صلاة العشاء إلى ما قبل منتصف الليل، طالما أن ذلك لا يسبب لها مشقة أو إرهاقاً، خاصة إذا كان السهر من عادتها.
فقه القراءة والرواتب في صلاة العشاء
من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلاة العشاء أن يقرأ من أواسط المفصل؛ وهي السور التي تبدأ من سورة النبأ إلى سورة الضحى. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- في وصفه لصلاة أحد الأئمة: «مَا صَلَّيْتَ وَرَاءَ أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ فُلَانٍ»، وذكر الراوي أنه كان يقرأ في العشاء بوسط المفصل.
وقد أنكر النبي -صلى الله عليه وسلم- على معاذ بن جبل -رضي الله عنه- حين أطال على الناس وقرأ بهم سورة البقرة، فقال له: «يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ… فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى» (رواه الشيخان).
أما عن السنة الراتبة لصلاة العشاء، فهي ركعتان بعدها، والأفضل للمسلم أن يؤديهما في بيته، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن السنة الإتيان بهما في البيت.
خطر السهر وتضييع الفجر
أيها المسلمون، لقد ابتلي الكثير في هذا الزمان بآفة السهر، وغالباً ما يكون سهراً فيما لا ينفع في دين ولا دنيا، بل هو لهو ولغو. وهذا السهر يؤدي حتماً إلى ضياع صلاة الليل والوتر، والأدهى من ذلك أنه قد يتسبب في النوم عن صلاة الفجر.
لقد كان من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يكره النوم قبل العشاء خشية فوات وقتها، ويكره الحديث بعدها خشية تضييع صلاة الفجر وقيام الليل. فعن أبي برزة -رضي الله عنه-: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا» (متفق عليه).
من قصص السلف في تعظيم صلاة العشاء
كان سلفنا الصالح يضربون أروع الأمثلة في المحافظة على هذه الصلاة. فهذا ابن عمر -رضي الله عنهما- كان إذا فاتته صلاة العشاء في جماعة، عاقب نفسه بإحياء بقية ليلته قائماً ومصلياً.
وهذا سعيد بن المسيب -رحمه الله- اشتكى عينه، فقيل له: لو خرجت إلى العقيق ونظرت إلى الخضرة لخفت عينك، فقال بلسان المؤمن الصادق: «فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِشُهُودِ الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ؟»؛ ففضل شهود الجماعة على علاج عينه.
ويروى عن عبيد الله بن عمر القواريري، وهو من شيوخ البخاري ومسلم، أنه قال: «لم يكن يكاد تفوتني صلاة العتمة في جماعة، فنزل بي ضيف، فشغلت به، فخرجت أطلب الصلاة في قبائل البصرة، فإذا الناس قد صلوا، فقلت في نفسي: روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: صلاة الجميع تفضل على صلاة الفذ إحدى وعشرين درجة. وروي: خمساً وعشرين درجة، وروي: سبعاً وعشرين، فانقلبت إلى منزلي، فصليت العتمة سبعاً وعشرين مرة، ثم رقدت، فرأيتني مع قوم راكبي أفراس، وأنا راكب فرساً كأفراسهم، ونحن نتجارى، وأفراسهم تسبق فرسي، فجعلت أضربه لألحقهم، فالتفت إلي آخرهم، فقال: لا تجهد فرسك، فلست بلاحقنا، قال: فقلت: ولم ذاك؟ قال: لأنا صلينا العتمة في جماعة».
خاتمة: دعوة للمحافظة والتمسك
أيها الإخوة المؤمنون، لنحرص كل الحرص على صلاة العشاء في الجماعة، ولنحذر من الحرمان العظيم والخسران المبين الذي يلحق بمن يتهاون فيها، خاصة في أيام النزهات والترويح. إن المحافظة على هذه الصلاة هي برهان إيمانكم، وطريقكم لنيل رضا ربكم.
نسأل الله تعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يرزقنا العمل بما علمنا، وأن يجعلنا من عباده الصالحين المحافظين على صلواتهم، الخاشعين في محراب عبادته، إنه سميع مجيب.
وصلوا وسلموا على نبيكم محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


اترك تعليقاً