صناعة السعادة في ميزان الفكر الإسلامي: من وهم القياس المادي إلى رحاب السكينة الإيمانية
لقد فطر الله سبحانه وتعالى الإنسان على نزوعٍ جبلّي نحو طلب الهناء والفرار من العناء، بيد أن العصر الحديث قد شهد تحولاً خطيراً في مفهوم صناعة السعادة؛ إذ لم تعد غايةً أخلاقية أو ثمرةً لتزكية النفس، بل غدت موضوعاً خاضعاً لمشارط القياس والتقييم، ومجالاً مشتركاً تتصارع فيه عقول علماء النفس، وخبراء الاقتصاد، وسدنة الشركات الكبرى. إن هذا السعي المحموم لتحويل المشاعر الإنسانية إلى أرقام ومؤشرات يثير تساؤلاً جوهرياً حول حقيقة التجربة الإنسانية، وما الذي يحجبه هذا الضجيج المادي عن حقائق الروح وظروف الاجتماع.
جذور المسألة: حين غدت الروح رقماً في معادلات المنفعة
يتتبع المفكر ويليام ديفيز في كتابه "صناعة السعادة: كيف باعت لنا الحكومات والشركات الكبرى الرفاهية"، الجذور الفكرية التي جعلت من وجدان البشر مادةً للحساب والتدخل المؤسسي. ويستحضر في هذا السياق إسهامات جيرمي بنتام وغيره ممن أسسوا لمقاربات قياس المنفعة، وصولاً إلى توظيف السلوك في السوق والعمل.
إن هذا المشروع الذي بدأ بوعدٍ أخلاقي لتعظيم اللذة وتقليل الألم، قد وقع في فخ المادية الصرفة؛ إذ غفل عن أن السعادة الحقيقية ليست مجرد استجابة كيميائية أو إشباع غريزي، بل هي طمأنينة القلب باتصاله بخالقه، كما قال الله عز وجل: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: 28].
من المبدأ الأخلاقي إلى أدوات الرقابة
لقد انتقل طموح صناعة السعادة من كونه مبدأً لإصلاح السياسات إلى البحث عن أدوات عملية لمراقبة السلوك وتنظيمه. ويبرز هنا التوتر بين الغاية الإصلاحية المزعومة وبين الأدوات التي تمنح القائمين على القياس سلطةً واسعة في تحديد جوانب الحياة التي تدخل في الحساب العام، مما يحول الإنسان من كائنٍ مكرّم إلى ترسٍ في آلة الإنتاج.
تسليع المشاعر: كيف استرقّت الأسواق نياط القلوب؟
في القرن التاسع عشر، سعى العلم المادي لإخضاع الإحساس للقياس التجريبي، محاولاً إقامة علاقات رياضية بين المؤثر المادي والاستجابة الحسية. وبموازاة ذلك، اتجه علم الاقتصاد لربط القيمة بالمنفعة الفردية وإشباع الرغبات، فصار السوق وسيلةً للاستدلال على مشاعر يصعب قياسها مباشرةً.
- تغلغل الإعلان: أدركت الشركات أن فهم انفعالات المستهلكين يمنحها نفوذاً لتشكيل اختياراتهم.
- التسويق العصبي: استخدام علم النفس لربط المنتجات بمشاعر الخوف أو الطمأنينة الزائفة.
- استثمار العلاقات: تحويل الصداقة والثقة والتعاون إلى موارد قابلة للاستثمار التجاري عبر المنصات الرقمية.
إن هذا التوظيف للمشاعر يتصادم مع المقصد الشرعي من العلاقات الإنسانية التي جعلها الله عز وجل قائمة على المودة والرحمة ابتغاء وجهه، لا وسيلةً للاستغلال المادي.
خديعة الرفاهية في أروقة المؤسسات والعمل
امتد الاهتمام بالسلوك الإنساني إلى داخل المؤسسات، حيث تحول مفهوم الكفاءة من ضبط الحركة والوقت إلى إدارة العوامل النفسية والاجتماعية. ومع ظهور الإجهاد والاحتراق الوظيفي، تبنت المؤسسات برامج "المرونة النفسية"، وهي في حقيقتها تسعى لتحسين قدرة الموظف على التكيف مع ظروف العمل القاسية بدلاً من معالجة أسباب المعاناة التنظيمية.
ويتعمق هذا التوجه حين تصبح رفاهية الموظف مؤشراً يخضع للمتابعة عبر أجهزة تتبع النشاط والنوم، مما يلغي الحدود الفاصلة بين رعاية الموظف وإخضاع حياته الشخصية لمقتضيات الأداء. إن الإسلام قد قرر حق العامل في الكرامة والعدل، وحذر من الظلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن الله عز وجل: "ثلاثةٌ أنا خصمُهم يومَ القيامةِ… ورجلٌ استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يُعطِه أجرَه".
الرقابة الرقمية: حين يصبح القلب "بيانات ضخمة"
مع انتشار التقنيات الرقمية، أصبح بالإمكان بناء معرفة عن مشاعر الناس تتجاوز ما يفصحون عنه، مستندةً إلى أنماط سلوكهم وتفاعلاتهم اليومية. وتبرز هنا خطورة معاملة البيانات السلوكية بوصفها معرفةً أكثر موثوقية من وصف الإنسان لتجربته الخاصة.
الدروس المستفادة من نقد "صناعة السعادة":
- السعادة ليست سلعة: لا يمكن اختزال الرضا الإنساني في مؤشرات مادية أو استجابات عصبية.
- المعاناة لها سياق: يجب النظر في الظروف الاجتماعية والاقتصادية (كالتفاوت والظلم) التي تنتج التعاسة، لا علاج الأعراض فقط.
- أهمية المشاركة والعدل: الشكوى والنقد هما أداتان للمساءلة الاجتماعية وليسا مجرد "اضطراب نفسي" يحتاج للعلاج.
- السكينة في الوحي: السعادة الحقيقية هي "الحياة الطيبة" التي وعد الله بها المؤمنين، كما في قوله سبحانه: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ) [النحل: 97].
خاتمة: العودة إلى منبع الطمأنينة
إن القيمة الفكرية الكبرى لكتاب "صناعة السعادة" تكمن في كشفه للعلاقة الوثيقة بين المعرفة النفسية والسلطة. لقد آن للأمة أن تدرك أن استعادة السعادة لا تمر عبر خوارزميات الشركات ولا برامج التكيف المادية، بل عبر إقامة العدل في الأرض وتزكية النفوس بطاعة رب العالمين. إن السعادة في الرؤية الإسلامية هي ثمرة التوازن بين عمارة الأرض وطمأنينة الروح، وهي مقامٌ لا يُنال إلا بالتحرر من عبودية المادة إلى عبودية رب العباد.
اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكّها أنت خير من زكاها، أنت وليّها ومولاها، واجعلنا ممن يجدون حلاوة الإيمان وسكينة اليقين في الدارين.



اترك تعليقاً