طمأنينة القلوب في ظلال ذكر علام الغيوب

طمأنينة القلوب في ظلال ذكر علام الغيوب

طمأنينة القلوب في ظلال ذكر علام الغيوب

إنَّ المتأمل في أحوال النفس البشرية وما يعتريها من كدر وضيق، يدرك أنَّ ثمة عطشاً روحياً لا ترويه مياه الماديات، وحيرةً قلبية لا يبددها إلا الاتصال بخالق الأرض والسماوات. إنَّ البحث عن السكينة هو المطلب الأسمى، والغاية التي تشرئب إليها الأرواح، ولا سبيل إلى نيلها إلا عبر بابٍ واحد فتحه الله لعباده، وهو باب ذكره والثناء عليه، مصداقاً لقوله سبحانه وتعالى: «أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» (الرعد، 13:28).

ونحن في ختام هذه السلسلة المباركة التي تتبعنا فيها مسالك الوصول إلى ذكر الله وطمأنينة القلب، نقف اليوم وقفة تأمل واستبصار عند عبادة الذكر، بوصفها الترياق الأنجع لكل كرب، والبلسم الشافي لكل اضطراب.

قسوة القلوب وترياق الذكر

حينما يغشى القلب الضباب، وتتخطفه الهموم، ويستولي عليه القلق دون سبب ظاهر، فإنَّ المراجعة الصادقة تقتضي العودة إلى كنه العلاقة مع الله عز وجل. فالقلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، وجلاؤها ذكر الله. وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الغفلة التي تورث القسوة، فقال: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي» (رواه الترمذي).

فسبحان الله! إنَّ هذا القلب ييبس ويقسو حين ينقطع عن مده الإلهي، فغذاء القلب وقوامه هو اللهج بذكر مولاه. وفي هذا المعنى يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: «في القلب قسوة لا يذيبها إلا ذكر الله تعالى، فينبغي للعبد أن يداوي قسوة قلبه بذكر الله تعالى».

الوصية النبوية الجامعة

ولمن استثقل كثرة الطاعات أو شعر بفتور في همته، فليتأمل في تلك الوصية النبوية العظيمة؛ فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأخبرني بشيء أتثبت به»، فقال له المصطفى صلى الله عليه وسلم: «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله» (رواه الترمذي).

إنَّ أثر هذا الذكر يتجاوز مجرد حركة اللسان؛ فهو الصقيل الذي يزيل ران القلوب، وهو الجسر الذي يربط العبد بربه، حتى يغدو العبد مذكوراً عند ملك الملوك سبحانه. ففي الحديث القدسي الجليل يقول الله عز وجل: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» (رواه البخاري ومسلم).

مفهوم الذكر وآفاقه الإيمانية

لا ينحصر الذكر في مجرد تمتمات اللسان بالأذكار المأثورة كالتسبيح والتهليل -على عظم قدرها- بل هو مفهوم شمولي ينتظم كل فعل أو خاطر يُراد به وجه الله عز وجل.

  • الذكر اللساني: وهو المداومة على الأوراد المأثورة (سبحان الله، لا إله إلا الله، وغيرها).
  • الذكر القلبي: وهو استحضار عظمة الله، وحسن الظن به، ومراقبته في الخلوات.
  • الذكر العملي: وهو أن تكون كل طاعة تؤديها -من صدقة أو صلة رحم أو دعاء- مغلفة بنية خالصة واستشعار دائم لربوبية الله عز وجل.

إنَّ مقتضى العبودية أن تتحدث إلى الله عز وجل وأنت في غمار عملك الصالح، تسأله القبول، وترجوه التوفيق لمزيد من الإحسان. فكلما ازددت ذكراً لله، ازداد الله لك ذكراً وعطاءً، ووجدت أثر ذلك بركةً في وقتك، وانشراحاً في صدرك.

التوبة والشكر: بوابات السكينة

إنَّ العبد مهما نأت به السبل، فإنَّ باب الرجوع إلى الله مفتوح على مصراعيه. يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن ربه: «ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» (رواه البخاري). فلا يمكن لقلب أقبل على الله بصدق أن يُرد خائباً.

ويصور لنا النبي صلى الله عليه وسلم فرح الله بتوبة عبده في حديث عظيم: «للهُ أشدُّ فرحاً بتوبةِ عبدهِ من أحدكم سقط على بعيرِه، وقد أضلَّه في أرضِ فلاةٍ، وعليها طعامُه وشرابُه، فأيِس منه، فأتى شجرةً فاضطجع في ظلِّها، قد أيِس من بعيرِه، فبينما هو كذلك إذا هو به قائماً عندَه، فأخذ بخطامِه، ثم قال من شدةِ الفرحِ: اللهم أنت عبدي وأنا ربُّك! أخطأ من شدةِ الفرحِ» (رواه مسلم).

كما أنَّ الشكر هو ذروة الذكر، وبه تدوم النعم وتزداد، كما قال تعالى: «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ» (إبراهيم، 14:7). فالشكر اعتراف بالمنعم، وتأمل في صفات الوهاب والرزاق والودود، وهذا الاستحضار الدائم لأسماء الله وصفاته هو الذي يورث القلب طمأنينة لا تزلزلها الخطوب.

الخاتمة: نحو يقين لا يتزعزع

ختاماً، إنَّ المداومة على أذكار الصباح والمساء، والحرص على ما أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم في كل شأن من شؤون الحياة، ليس مجرد طقوس تعبدية، بل هو حصن حصين، وجلاء للقلب من كدره.

إنَّ العبرة باليقين (Yaqîn)؛ فإذا أيقنت أنَّ هذه الكلمات تفتح لك أبواب السماء، وتطهر سويداء قلبك، وتدفع عنك البلاء، استقرت السكينة في روعك. فاجعل قلبك معلقاً بالله، وكن من الذين وصفهم الله بقوله: «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (آل عمران، 3:191).

اللهم اجعلنا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، وآتِ نفوسنا تقواها، وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *