# طول الأمل وقصر الأجل: صراع البقاء في دار الفناء
إن المتأمل في أحوال النفس البشرية يجد عجباً؛ فبينما يخطو الإنسان نحو قبره كل يوم خطوة، وتطوى من عمره صفحة لا تعود، نجد قلبه يزداد تعلقاً بدنيا غدارة، ويمد في حبال آماله كأنه مخلد فيها. هذا التناقض العجيب هو ما وصفه الصادق المصدوق ﷺ بدقة متناهية، محذراً إيانا من الانزلاق في فخ الغفلة الذي ينصبه “طول الأمل”.
الحقيقة النبوية: كبر السن وعنفوان الأمل
يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان: حب المال، وطول الأمل» (رواه البخاري).
يا له من توصيف نبوي عميق! ففي الوقت الذي تضعف فيه القوى، ويشتعل الرأس شيباً، وتذبل الجوارح، نجد أن هناك قوتين داخل النفس البشرية تزدادان عنفواناً وشباباً: الرغبة في التملك (حب المال)، والرغبة في البقاء (طول الأمل). إنها مفارقة كبرى؛ فكلما دنا الأجل، عظم الأمل!
إن طول الأمل ليس مجرد تمني العيش الطويل، بل هو حالة نفسية تجعل العبد يسوف التوبة، ويؤخر العمل الصالح، وينغمس في بناء صروح دنيوية لا يسكنها، وكأنه يملك صكاً بالأمان من الموت. لم يحقق صالح ولا طالح كل ما يرجو ويتمنى في هذه الدنيا؛ فهي دار نقص لا تكتمل لأحد، ولو اكتملت لكانت هي الجنة.
الهندسة النبوية لرحلة الإنسان
لقد رسم لنا النبي ﷺ صورة توضيحية بليغة تختصر رحلة العمر والقدر. فعن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: “خط النبي ﷺ خطاً مربعاً، وخط خطاً في الوسط خارجاً منه، وخط خُططاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، فقال: «هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به -أو قد أحاط-، وهذا الذي هو خارجٌ أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا» (رواه البخاري).
تأمل هذا الرسم النبوي؛ الإنسان محاصر داخل مربع الأجل، لا مهرب له منه. أما أمله فممتد إلى خارج هذا المربع، يتجاوز حدود عمره المكتوب. وبينما هو يركض خلف أمله الممتد، تنهشه الأعراض والابتلاءات (مرض، فقر، فقد، هموم)، فإن نجا من عرض، لم ينجُ من الآخر، حتى يواجهه الأجل المحيط به بغتة.
إن هذا الحديث يدعونا إلى وقفة صدق: هل نحن نعيش داخل حدود المربع بوعي ويقظة، أم أن أبصارنا مشدودة دائماً إلى ذلك الخط الخارج (الأمل) الذي لن نصله أبداً؟
فلسفة الوجود: الدنيا وسيلة لا غاية
لا يوجد حل جذري للتعامل مع الدنيا وفتنتها وشهواتها المستعرة إلا بجعل الآخرة هي القطب الذي تدور حوله كل شؤون حياتنا. يجب أن تكون الآخرة هي الهدف والغاية، وكل ما سواها من مال وجاه وولد هو تابع لها ووسيلة للوصول إليها.
فلا يأخذ العبد من الدنيا إلا ما يعينه على تحقيق العبودية لله والنجاة يوم القيامة. وهذا لا يعني ترك الدنيا بالكلية، بل يعني وضعها في اليد لا في القلب. قال الله تعالى: {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة و لا تنس نصيبك من الدنيا}. إنها موازنة دقيقة؛ ابحث عن نصيبك من الجنة في كل ما تملك، ولا تحرم نفسك من المباحات التي تعينك على طاعة الله.
محطات العمر: من الأهل إلى البرزخ
يعيش العبد في هذه الدار القصيرة مع أسرتين والقليل من الأصحاب. النصف الأول من العمر يقضيه مع الوالدين والإخوة في كنف الرعاية والنشأة، والنصف الثاني يقضيه مع الزوجة والأبناء في كنف المسؤولية والبناء. ومجموع ما سيعيشه معهم يتراوح غالباً بين الستين والسبعين إن طال به العمر، وهي سنوات تمر كلمح البصر.
لكن، هل فكرنا في المحطة التالية؟ في البرزخ، سيعيش الإنسان ربما آلاف السنين. هناك، لن يكون معه والد ولا ولد، لن تكون معه الزوجة ولا الأصحاب. الصاحب الوحيد في تلك الوحشة هو “العمل”.
في المسند عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه و سلم -في حديث طويل- يصف حال المؤمن في قبره وفيه: [ويأتيه -في القبر- رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير فيقول أنا عملك الحسن فيقول رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي].
هذا هو الصاحب الحقيقي الذي يجب أن نستثمر فيه. إن طول الأمل ينسينا هذا الصاحب، ويجعلنا ننشغل بتزيين بيوتنا الفانية، ونترك بيوتنا الباقية (القبور) موحشة مظلمة.
الدنيا كالماء: احذر الغرق
كثيراً ما يعبر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم عن الدنيا بمثال الماء. وللعلماء في هذا التشبيه لطائف عميقة؛ فمن طبيعة الماء “التفلت”، لا يقدر الإنسان على مسكه أو السيطرة عليه تماماً، كحال من يحاول مسك الدنيا، كلما ظن أنه ملكها انسلّت من بين أصابعه!
وكذلك، فإن الداخل في الماء لابد وأن يصيبه أثر منه، فالمتعرض للدنيا لابد وأن يصيبه بعض بللها من هموم وفتن وتفكير. لكن شتان بين “البلل” و”الغرق”!
- البلل: هو حال المؤمن اليقظ، يأخذ من الدنيا حاجته، يصيبه كدرها أحياناً، لكنه سرعان ما يجفف نفسه بالاستغفار والذكر لخوفه من الآخرة.
- الغرق: هو حال الغافل الذي أطال الأمل، فانغمس في لجة الدنيا حتى غطت أذنيه وعينيه، فلا يصحو من سكرته إلا وهو بين يدي ملك الموت، أو يواجه سؤال منكر ونكير.
إن أصعب ما في التعامل مع الدنيا هو قدرتها الفائقة على “إذابة” الداخل فيها. إن لم يتعامل المرء معها بحذر واحتياط ووجل، ذابت قيمه ومبادئه وأهدافه الأخروية في بريقها الزائف.
موازين العمل والمسؤولية
يجب أن ندرك الفوارق الجوهرية في تعاملنا اليومي:
1. بين الحق والفتنة: هناك فرق كبير بين أداء حق الزوجة والأبناء (وهو عبادة)، وبين الفتنة بهم التي تجعل العبد يفرط في حدود الله لإرضائهم.
2. بين التعاهد والضياع: هناك فرق بين تعاهد الأصحاب والترويح عن النفس، وبين حرق الوقت الثمين معهم في القيل والقال وضياع الصلوات.
3. بين الكفاف والإغراق: هناك فرق بين السعي للوظيفة والعمل لإعفاف النفس والأهل (وهو جهاد)، وبين الإغراق في جمع المال وتكنيزه لتأمين مستقبل وهمي على حساب الواجبات الدينية.
دستور النجاة: حاسبوا أنفسكم
إن العلاج الناجع لمرض طول الأمل وقصر الأجل يكمن في كلمة جامعة قالها الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتزينوا للعرض الأكبر {يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية} وإنما يخف الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا”.
إن محاسبة النفس هي الميزان الذي يضبط حركة الإنسان في الدنيا. اسأل نفسك كل ليلة: ماذا قدمت لبيتي في البرزخ؟ هل أملي يسبق عملي؟ هل أنا مستعد للقاء الله لو جاء الأجل الآن؟
خاتمة القول، إن الدنيا ساعة فاجعلها طاعة، والنفس طماعة فعلمها القناعة. لا تترك طول الأمل يسرق منك حقيقة قصر الأجل، وكن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، واجعل زادك التقوى، فهي خير ما يصحبك في رحلتك الطويلة إلى الدار الآخرة.


اترك تعليقاً