# عافية النسيان: رحلة التحرر من قيود الذاكرة نحو آفاق الطمأنينة
إن النفس البشرية جُبلت على التقلب، والقلب سُمي قلباً لشدة تقلبه بين الأحوال، وفي غمار هذه الحياة وتجاربها المريرة، يجد الإنسان نفسه أحياناً محاصراً بأسوار من الذكريات التي تأبى الرحيل. هنا تبرز قيمة كبرى ومنحة إلهية عظيمة، هي ما نسميها “عافية النسيان”. إنها ليست مجرد فقدان للمعلومة، بل هي قدرة الروح على تجاوز ندوب الماضي لتمارس حقها في الحياة والعمل والبناء.
مفهوم عافية النسيان: نعمة إلهية وضرورة بشرية
عافية النسيان هي ذلك البلسم الرباني الذي يوضع على جراح القلوب فيسكن أنينها. تخيل لو أن كل صدمة مرت بك، وكل فقد أوجعك، وكل خيبة أمل انكسرت لها نفسك، ظلت ماثلة أمام عينيك بكل تفاصيلها وحرقتها؛ كيف كان للإنسان أن يمضي قدماً؟
إن من أعظم الوسائل التي تواسي القلب وتمنحه هذه العافية هي أن يشغل المرء نفسه بما هو أعظم وأبقى. فالعقلاء وأصحاب البصائر لا يقفون طويلاً على أطلال الأوجاع، ولا يقضون أعمارهم في تفقد جراحها وإحصاء خسائرها. إنهم يدركون أن الوقوف عند الماضي هو استنزاف لطاقة لا يملكها الإنسان إلا لمرة واحدة، وهي طاقة العمر.
فخ الوقوف على الأطلال واجترار الأحزان
كثير من الناس يسقطون في فخ “اجترار الذكريات”، وهو سلوك نفسي مدمر يجعل المرء يعيد تمثيل آلامه مراراً وتكراراً. إن الدوران في أفلاك الذكريات المؤلمة ليس مجرد خسارة للحاضر، بل هو استدعاء مستمر للماضي ليواصل نهشه في جسد الروح، وكأن المرء يقتات على ما يؤذيه!
لماذا يختار البعض أن يكونوا جلادين لأنفسهم؟
1. التعلق بالهوية الضحية: حيث يجد البعض في ألمهم مبرراً للعجز.
2. وهم السيطرة: الاعتقاد الخاطئ بأن كثرة التفكير في الماضي قد تغير من نتائجه.
3. الفراغ القلبي: حين يغيب الهدف العظيم، تملأ الذكريات التافهة أو المؤلمة حيز النفس.
إن ما مضى قد فات، والمضي في إحيائه هو نوع من العبث الذي لا يليق بذي لب. فمن فقه الحياة أن لا يكون المرء أسيراً لأشباح الذاكرة، بل يجب أن يتحول إلى ربان ماهر يوجه دفة أيامه نحو أفق أرحب.
كيف تحقق عافية النسيان؟ (خطوات عملية)
للوصول إلى هذه الحالة من الشفاء النفسي، يحتاج الإنسان إلى مجاهدة وبصيرة، ويمكن تلخيص الطريق في النقاط التالية:
- أولاً: إشغال القلب بالمعالي:
- ثانياً: توجيه دفة الأيام:
- ثالثاً: اليقين بقصر الحياة:
- الدروس تُحفظ: لنأخذ منها العبرة.
- المشاعر السلبية تُدفن: لكي لا تفسد علينا هواء الحاضر.
- تتسع الرؤية وتسمو الأهداف.
- يصبح العمل هو الترياق الوحيد للملل والهم.
- تغدو الذكريات مجرد محطات في طريق طويل، لا سجوناً مؤبدة.
عندما يمتلئ القلب بهموم كبرى، وتطلعات سامية، وأهداف تنفع الناس وترضي الله، تتقزم أمامها الأوجاع الشخصية. إن القلب وعاء، إذا لم تملأه بالحق والعمل النافع، ملأه الباطل والندم.
العاقل هو من يوجه طاقته نحو ما ينفع ويفيد في يومه ومستقبله. بدلاً من السؤال بـ “لماذا حدث هذا؟”، اسأل “ماذا سأفعل الآن؟”.
الحياة أقصر بكثير من أن تُبدد في ملاحقة ظل الوجع. كل لحظة تقضيها في البكاء على الأمس، هي لحظة مسروقة من جمال اليوم وفرص الغد.
الخسارة المزدوجة: ضريبة استرجاع الألم
إن أعظم الخسائر التي قد يمنى بها المرء هي أن يبتلع عمره في استدعاء ما مضى. في هذه الحالة، يخسر الإنسان مرتين:
1. الخسارة الأولى: هي وقوع الألم ذاته في الماضي، وهو قدر قد نفذ ولا راد له.
2. الخسارة الثانية: هي استنزاف الروح وتحطيم القوى في استعادة ذلك الألم وتكرار عيشه.
وهذه الخسارة الثانية هي الأشد فظاعة، لأنها اختيارية وليست قدرية. أنت من تختار أن تفتح جراحك كل يوم، وأنت من تختار أن تمنح الماضي سلطة على حاضرك.
فقه التجاوز: أن تكون رباناً لا أسيراً
المؤمن القوي هو الذي يمضي ببصيرته إلى الأمام، حيث المعالي تملأ الأفق، والمجد يغمر المسير. التجاوز لا يعني نسيان الحدث كمعلومة، بل يعني تجريده من تأثيره العاطفي المعيق.
يقول الحكماء: “لا تجعل من ذاكرتك مقبرة للأحداث، بل اجعل منها مدرسة للدروس”.
إن إحياء ما كان الأولى أن يُدفن، ومواراة ما كان الأجمل أن يظل حياً، هو انتكاس في الفهم واضطراب في الموازين. العاقل من تيقن أن البكاء على اللبن المسكوب لا يعيده إلى الإناء، بل قد يؤدي إلى سكب ما تبقى منه.
نحو أفق أرحب: مرافئ السكينة
عندما تتحقق عافية النسيان، يبدأ الإنسان في رؤية نعم الله التي كانت محجوبة خلف غبار الأحزان. يبدأ في استشعار السكينة التي تغمر قلبه حين يسلم أمره لله، ويوقن أن كل ما فاته لم يكن ليدركه، وما أصابه لم يكن ليخطئه.
في هذا الأفق الرحب:
خاتمة: النسيان عافية فاستمسك بها
في الختام، تذكر دائماً أن عافية النسيان هي بوابة العبور نحو السلام الداخلي. لا تسمح لخيالات الماضي أن تنهش حاضرك، ولا تجعل من روحك مسرحاً لتمثيل مآسي الأمس. كن ربان سفينتك، وجهها نحو المعالي، واشغل قلبك بما يبقى، فالحياة رحلة قصيرة، والعاقل من جعل وجهتها نحو الخلود والجمال، تاركاً خلف ظهره كل ما يعيقه عن الوصول إلى مرافئ الطمأنينة.
إن النسيان في مواضع الألم ليس ضعفاً، بل هو قمة القوة والوعي؛ هو إعلان صريح بأنك أكبر من جراحك، وأعظم من خيباتك، وأنك اخترت أن تعيش الحياة كما أرادها الخالق: عبادة، وعمارة، وسعياً نحو الكمال البشري.

اترك تعليقاً