عز الدين الحداد: رحلة ‘عميد التصنيع’ من أعماق البحار إلى ذروة القيادة في طوفان الأقصى

عز الدين الحداد: رحلة ‘عميد التصنيع’ من أعماق البحار إلى ذروة القيادة في طوفان الأقصى

هل يُقاس عمر القادة بالسنين أم بالأثر الذي يتركونه خلفهم في وجدان الأرض؟

في قلب المواجهة المحتدمة بقطاع غزة، تبرز أسماءٌ نُحتت في صخر المقاومة، ومن بينها يسطع اسم القائد عز الدين الحداد. لقد كان للرجل حضورٌ طاغٍ في الميدان قبل أن يكون له صدى في الإعلام؛ فالمشاهد الأخيرة التي بثتها كتائب الشهيد عز الدين القسام ضمن سلسلة "أقمار الطوفان" لم تكن مجرد توثيق عابر، بل كانت كشفاً عن هوية عسكرية صلبة تشكلت في صمت الأمواج وبين أروقة التصنيع العسكري.

سلاح البحرية: مدرسة الإعداد في صمت الأمواج

أظهرت المشاهد الحديثة انخراط عز الدين الحداد المباشر في تدريبات سلاح البحرية، وهي الوحدة التي تعد رأس الحربة في العمليات النوعية. لم يكن الحداد قائداً يكتفي بإصدار الأوامر من غرف العمليات المغلقة، بل كان جندياً في الميدان، يشارك في الإعداد البدني والتكتيكي، مما يفسر القفزة النوعية التي شهدتها المنظومة العسكرية للكتائب قبل توليه القيادة العامة.

وفي ذات السياق، جاء نعي الشهيد حسين خميس الزبدة، أحد القادة الميدانيين في سلاح البحرية (لواء غزة)، ليؤكد على ترابط هذه المنظومة. فقد وثقت المشاهد دور الزبدة في:

  • الإشراف المباشر على تدريب العناصر النخبوية.
  • المشاركة في مناورات حية بالذخيرة قبل انطلاق ملحمة السابع من أكتوبر.
  • إدارة العمليات الميدانية التي شكلت مفاجأة استراتيجية للاحتلال.

وصية الفتح: كيف أدار الحداد ليلة السابع من أكتوبر؟

تتجلى عبقرية عز الدين الحداد القيادية في تلك اللحظات الحرجة التي سبقت "طوفان الأقصى". ففي السادس من أكتوبر، وبينما كان العالم يغط في نوم عميق، كان الحداد يسطر بيده وثيقة العهد التي وزعها على قادة الألوية، داعياً إياهم للقتال ببراعة وراحة ضمير، جاعلاً من صيحة "الله أكبر" شعاراً للنصر.

لقد تضمنت تعليماته الصارمة نقاطاً محورية غيرت مجرى الصراع:

  1. الأسر الاستراتيجي: التركيز على أسر عدد كبير من الجنود في الساعات الأولى.
  2. الحرب النفسية: بث مشاهد الاقتحام مباشرة لكسر هيبة المنظومة الأمنية المعادية.
  3. السيادة الرمزية: رفع أعلام الدول العربية والإسلامية فوق المواقع المستردة.

التدرج العسكري: من جندي المشاة إلى قائد الأركان

لم يصل عز الدين الحداد إلى سدة القيادة بالصدفة، بل كان نتاج مسيرة كفاح بدأت منذ تأسيس حركة حماس عام 1987. تدرج الحداد في الرتب العسكرية بجهد دؤوب، وهو ما يمكن تلخيصه في المحطات التالية:

  • البداية: جندي مشاة في لواء غزة.
  • الارتقاء: قائد فصيل، ثم قائد كتيبة.
  • التمكين: قائد لواء غزة، وصولاً إلى منصب القائد العام لكتائب القسام خلفاً للشهيد محمد السنوار.

لقد لُقب بـ "عميد التصنيع" تقديراً لدوره في تطوير الترسانة الصاروخية، وهو الذي توعد الاحتلال قبل عام من الطوفان بأن صواريخ القسام ستصيبهم بالصدمة من حيث الدقة والكثافة، وهو وعدٌ تحقق في قلب تل أبيب وغلاف غزة.

الخاتمة: رحيل الجسد وبقاء المنهج

في الخامس عشر من مايو عام 2026، ارتقى عز الدين الحداد شهيداً إثر غارة جوية استهدفت موقعاً في القطاع، في حادثة أليمة أسفرت عن استشهاد 7 فلسطينيين بينهم نساء وأطفال. رحل الحداد تاركاً خلفه جيشاً من المقاتلين الذين تشربوا فكره العسكري، ومكتبة مرئية تثبت أن المقاومة ليست مجرد رد فعل، بل هي علمٌ وتخطيط وإيمان راسخ بأن الحقوق لا تُسترد إلا بقوة الساعد. إن سيرة الحداد تظل برهاناً على أن القائد الحقيقي هو من يزرع بذور النصر في الأرض، ثم يمضي مطمئناً بأن الحصاد آتٍ لا محالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *