لم يعد الحديث عن التغير المناخي مجرد فرضيات علمية تُناقش في الأروقة الأكاديمية أو ترفاً فكرياً للنخبة، بل استحال واقعاً ملموساً يطرق أبواب العالم العربي بقوة، مهدداً أمنه المائي، واستقراره السكاني، وسلامة بنيته التحتية.
في قراءة تحليلية شاملة، يستعرض العالم المصري والباحث في وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، الدكتور عصام حجي، ملامح الأزمة المناخية التي تعصف بالمنطقة، مؤكداً أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في الظواهر الطبيعية المتطرفة، بل في العقلية التي تدير هذه الأزمات بتجاهل تام للمعطيات العلمية الرصينة.
من "درنة" إلى الإسكندرية: جرس إنذار لا يتوقف
يشير الدكتور حجي إلى أن التغير المناخي بات يُدفع ثمنه اليوم بالأرواح والممتلكات. ويستشهد بكارثة فيضانات درنة في ليبيا (2023)، حيث فُقد أكثر من 11 ألف شخص في ليلة واحدة. المفارقة الصادمة هنا هي أن ليبيا، الدولة التي لا تمتلك أنهاراً وتصنف ضمن المناطق الأقل أمطاراً، شهدت أضخم سيول في تاريخ القارة الأفريقية، متفوقة على دول استوائية وممطرة.
هذا الحدث، بحسب حجي، ينسف تماماً الاعتقاد السائد بأن منطقتنا العربية بمعزل عن الكوارث الكبرى، ويؤكد أن الإنكار المستمر للعلم يضاعف من حجم الفاتورة الإنسانية والمادية.
خطر الغرق: المدن الساحلية في مواجهة المحيط
حذر الباحث في "ناسا" من أن ارتفاع منسوب سطح البحر لم يعد تهديداً مؤجلاً، بل هو خطر داهم يزحف نحو المدن الساحلية العربية بمعدلات تتراوح بين 3 إلى 6 سنتيمترات سنوياً. هذا التسارع يعني احتمال ارتفاع المنسوب بمقدار متر واحد خلال عقدين فقط، خاصة مع ظاهرة هبوط التربة في بعض المناطق.
الإسكندرية كنموذج للمواجهة
ضرب حجي مثالاً بمدينة الإسكندرية، موضحاً أن تزايد حالات انهيار العقارات فيها ليس مجرد تقادم للمباني، بل هو نتيجة مباشرة لـ:
- تآكل الأساسات بفعل تسرب مياه البحر.
- ارتفاع منسوب المياه الجوفية وتملح التربة.
- بناء مشاريع استراتيجية ومحطات طاقة في مناطق منخفضة، وهو ما وصفه بـ "الاستثمار في مستقبل خاسر".
التلوث البيئي: حقائق مرعبة من الفضاء
خلال تحليله للصور الفضائية لصحراء شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، وصف حجي مستويات التلوث بـ "المرعبة". وأكد أن منطقة الدلتا في مصر تُعد من أكثر المساحات الزراعية تلوثاً على كوكب الأرض، مما يفسر الانتشار الواسع للأمراض المرتبطة بالمياه.
ويعود هذا التدهور البيئي إلى ثلاثة عوامل رئيسية:
- ذوبان الجليد القطبي: نتيجة الاحتباس الحراري العالمي.
- تمدد المحيطات: بسبب ارتفاع درجة حرارة المياه (زادت حرارة شرق المتوسط 2.5 درجة منذ 1980).
- النشاط البشري الجائر: مثل السحب المفرط للمياه الجوفية الذي يؤدي لهبوط السواحل.
سد النهضة: العلم فوق التسييس
فيما يخص ملف سد النهضة، قدم الدكتور حجي رؤية علمية مجردة، معتبراً أن الأزمة الحقيقية ليست في بناء السدود بحد ذاتها، بل في آليات إدارتها خلال سنوات الجفاف.
- حساسية النيل: النيل نهر فريد يعبر أربع مناطق مناخية، مما يجعل التنبؤ بتدفقاته معقداً للغاية.
- غياب التنسيق: انتقد حجي غياب الدراسات العلمية المشتركة والموثوقة بين الدول المعنية، مما فتح الباب للخطابات الشعبوية والاتهامات المتبادلة.
- استقلال أفريقيا: يرى حجي أن الاختبار الحقيقي لاستقلال القارة يكمن في قدرتها على حل نزاعاتها المائية عبر "بوابة العلم" بعيداً عن الضغوط السياسية.
العلم والهوية: معركة الوعي العربي
يربط عصام حجي بين تراجع المكانة العلمية وانتشار "الخرافة" في المجتمعات العربية. ويرى أن لجوء البعض للتنجيم أو إنكار الحقائق العلمية هو نتيجة طبيعية لغياب العدالة، حيث يصبح "الحظ" هو الملاذ البديل للمعرفة.
أبرز تحديات الوعي العلمي:
- تسفيه العلم: تحويل المعرفة إلى مادة غريبة عن الهوية العربية، رغم أن تاريخ المنطقة ارتبط بالقراءة والبحث.
- هجرة العقول: الأنظمة التعليمية والإدارية التي تركز على التصنيفات الشكلية للجامعات دون أثر حقيقي تساهم في طرد الكفاءات.
- الخداع الأكاديمي: الاكتفاء بالأرقام والترتيبات الدولية دون تقديم حلول واقعية لمشاكل البسطاء.
خاتمة ورسالة
يختم الدكتور عصام حجي حديثه بتوجيه رسالة قوية للعلماء العرب في المغترب، مؤكداً أن نجاحهم في كبرى المؤسسات الدولية يبقى ناقصاً ما لم يساهموا في تغيير واقع أوطانهم، وتوظيف خبراتهم لحماية شعوبهم من مخاطر المنا


اترك تعليقاً