# شتات القلب: الداء والدواء في زمن الحيرة والملهيات
إن أعظم نعم الله على العبد في هذه الدنيا ليست مالاً يُجمع، ولا جاهاً يُرفع، بل هي أن يجمع الله عليه قلبه، ويجعل هَمَّه واحداً، وهو نيل رضا مولاه سبحانه. فإذا اجتمع قلب العبد على ربه، استقامت له شؤون حياته، وذاق طعم السكينة التي يفتقدها الكثيرون في هذا العصر المتسارع. وفي المقابل، فإن من أشد أنواع العقوبات الخفية أن يبتلي الله العبد بشتات الأمر، وتفرق الهموم في أودية الدنيا، فلا يستقر له قرار، ولا يهدأ له بال.
مفهوم شتات القلب وعلامات محبة الله
إن من أسمى علامات حب الله -تعالى- للعبد أن يجمع قلبه عليه وحده؛ فيكون الهَمُّ الأكبر للعبد مرضاة ربه، وتكون أمنيته الأغلى القرب من خالقه، وتصبح راحته وهنائته في طاعة مولاه، ويكون استقراره وركونه لعون ربه وحده لا شريك له. هذا الاجتماع القلبي هو الذي يجعل العبد يمشي على الأرض وهَمُّه في السماء، لا ترفعه كلمة مدح، ولا تضره كلمة ذم، لأنه استغنى بالله عمن سواه.
وعلى الضيق المقابل، نجد أن من علامات بغض الله للعبد -والعياذ بالله- أن يُفرِّق عليه شمله، ويشتت في أودية الدنيا قلبه، ويمزق نفسه في طلب مرضاة البشر؛ فإن أرضى هذا أسخط ذاك، وتتنازعه نوازع وهواجس شتى؛ فنازع لجمع المال وكنزه، ونازع لحب الجاه والشهرة، وهاجس الخوف على صحته واعتلالها، وهاجس الموت وفجاءته. فهو دائم القلق، مضطرب الخاطر، مشتت الهم، مقطع القلب، ممزق النفس، لا يستقر على حال، ولا تعرف الراحة طريقاً إلى قلبه.
مأساة التشتت وضياع العمر
إن المتأمل في حال مشتت الذهن يجد أنه من فرط تشتته لا يدري أين خيره وأين مصلحته الحقيقية. وحتى إن علم أين مصلحته، فإنه لا يستطيع أن يقر على السعي لها زمناً طويلاً؛ بل تنتزعه المشتتات وتجذبه الملهيات. وبالمثال يتضح المقال: فإنه إن أدرك يوماً أن فلاحه في القرب من ربه وعكف حيناً على طريقه، فما هي إلا أيام أو أسابيع تمضي ثم تأتيه شاشة التلفاز أو شاشة الهاتف أو شاشة الحاسوب فتنتزعه من طاعته! أو تغريه شهوة من الشهوات ولذة من اللذات فتقطعه عن ربه، أو ينشغل بالمنافسة في الدنيا والمكاثرة بالأموال والأولاد فيتلهى عما كان فيه من عزيمة.
وهكذا تمر حياته وتنقضى أيامه ويضيع عمره كله وما أنجز نافعاً ولا حتى حرص عليه، وكأنه ما سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز» (رواه مسلم). إن هذا الشتات هو الضياع الحقيقي، فالعمر أنفاس لا تعود، والقلب إذا لم يمتلئ بحب الله، امتلأ بكل تافه وحقير.
حقيقة السعادة في اجتماع الهم
لو أفاق مشتت القلب هذا من غفلته ساعة، ولملم شتات نفسه المتفرقة المتشعبة، لأدرك أنه قد خسر خير وأفضل وأهم ما في هذه الدنيا؛ فاللذة التامة والفرح والسرور وطيب العيش والنعيم إنما هو في معرفة الله وتوحيده والأنس به والشوق إلى لقائه واجتماع القلب والهم عليه.
يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله- في رسالته إلى أحد إخوانه: “فإن أنكد العيش عيش من قلبه مشتت وهمه مفرق، فليس لقلبه مستقر يستقر عنده ولا حبيب يأوي إليه ويسكن إليه”. وهل هناك أدل على تعاسة وشقاء شارد الذهن ممزق النفس مشتت القلب من قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (متفق عليه). فماذا بقي للإنسان بعد أن تشتت قلبه وفسدت مضغته؟
لماذا يتشتت هَمُّ الإنسان؟ (الأسباب والعلل)
قد يتساءل المرء: لماذا لا يقر لي قرار؟ ولماذا أعيش متنازعاً مقطعاً في أودية الدنيا؟ إن لهذا التشتت أسباباً دقيقة كشفها لنا الوحي وكلام العارفين بالله، ومن أبرزها:
أولاً: الانغماس في أوحال الدنيا
إن جعل الدنيا أكبر الهم هو رأس كل خطيئة وسبب كل شتات. حين تستغرق النفس بكليتها في طلب الدنيا، تضيع البوصلة. وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له» (رواه الترمذي). وهذا عين ما كان رسولنا -صلى الله عليه وسلم- يستعيذ بالله منه، فعن ابن عمر قال: قلما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقوم من مجلس حتى يدعو: «… ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا» (رواه الترمذي).
ثانياً: الغفلة عن ذكر الله
الغفلة هي التربة الخصبة لنمو أشواك الشتات. وقد أعلمنا القرآن الكريم أن من غفل عن ذكر ربه، كان قرينه الشيطان الذي يزيده حيرة وتشتتاً: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36]. وحذرنا سبحانه من طاعة الغافلين فقال: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28]. فإذا غفل القلب، انفرط الأمر، وضاعت المصالح، وأصبح الإنسان حيراناً لا يهتدي سبيلاً.
ثالثاً: فتنة الشاشات والخلطة الفاسدة
في زماننا هذا، أصبح الانجرار خلف الشاشات الملهيات والمواقع التافهة من أعظم أسباب تشتت العقل والقلب. يضاف إلى ذلك المبالغة في العلاقات التي تضيع الأوقات. يقول ابن القيم في “بدائع الفوائد”: “فإن من الناس مَن مخالطته كالداء العضال والمرض المزمن؛ وهو من لا تربح عليه في دين ولا دنيا، ومع ذلك فلا بد من أن تخسر عليه الدين والدنيا أو أحدهما، فهذا إذا تمكنت مخالطته واتصلت فهي مرض الموت المخوف”.
رابعاً: شؤم الذنوب والمعاصي
الذنوب هي القيود التي تمنع القلب من الطيران إلى حضرة القدس. إنها تُكرِّه إلى المرء لقاء الله، وتورثه طلباً كاذباً للخلد في أهوائه. يذكر ابن القيم أن من آثار الذنوب: “أن تمنع قلبه من ترحله من الدنيا ونزوله بساحة القيامة، فإن القلب لا يزال مشتتاً مضيعاً حتى يرحل من الدنيا وينزل في الآخرة”.
خامساً: تعلق القلب بغير الله
من أحب شيئاً سوى الله عُذِّب به. إن التعلق بالمخلوقين أو المتاع الزائل يورث نكداً لا ينتهي. فالمحب لغير الله إن فقد محبوبه تألم، وإن وجده خاف فراقه، فهو في كمد دائم. وكما قيل في الشعر:
فما في الأرض أشقى من محبٍ ** وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكياً في كل حــــالٍ ** مخافة فرقة أو لاشتياق
فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم ** ويبكي إن دنوا حذر الفراق
سادساً: فقدان الإخلاص والمتابعة
العمل بغير إخلاص لله ولا اقتداء بسنة رسوله كالمسافر الذي يملأ جرابه رملاً؛ يثقله ولا ينفعه. إن تحمل هموم الدنيا مع التهاون بالأوراد والعبادات ينهك القوى الروحية. وكما قال ابن القيم في “الفوائد”:
ومشتت العزمات ينفق عمره ** حيران لا ظفر ولا إخفاق
سابعاً: تضخيم مصائب الدنيا
حين يغيب اليقين، تظهر المصائب كأنها جبال لا تزول، فيذهل القلب ويحتار الفؤاد. والمؤمن يعلم أن مع العسر يسراً، وأن الدنيا دار ابتلاء. والخوف كل الخوف أن يكون الإنسان ممن قال الله فيهم: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ} [الحج: 11].
خاتمة: كيف نلم شتات القلوب؟
إن العلاج يبدأ بالفرار إلى الله، وتجديد التوبة، وإلزام النفس بذكر الله آناء الليل وأطراف النهار. ابحث عن “جمعية القلب” في خلوة مع القرآن، وفي سجدة في جوف الليل، وفي صحبة صالحة تدلك على الله. لا تترك عمرك نهباً للمشتتات، واجعل الآخرة همك، يجمع الله لك شملك، ويصب عليك الخير صباً. اللهم اجمع قلوبنا عليك، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، واجعلنا ممن قرت أعينهم بطاعتك والأنس بك.

اترك تعليقاً