# علماء الدنيا: حين يتحول سراج العلم إلى وسيلة لحطام فانٍ
الحمد لله الذي رفع منار العلم وأعلى أهله، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، الذي أدبنا فأحسن تأديبنا، وحذرنا من فتنة الدنيا وبريقها الخداع، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
لقد سطر الإمام الجليل ابن الجوزي في كتابه الماتع “صيد الخاطر” كلمات تُكتب بماء الذهب، وتُوزن بمثاقيل الحكمة، حينما تأمل حال فئة من الناس، أفنوا أعمارهم في طلب العلم، ثم انتهى بهم المطاف أسرى لشهوات الدنيا وعبيداً لأرباب الأموال. إن حديثنا اليوم يدور حول علماء الدنيا، ذلك الصنف الذي امتلك السلاح ولم يحسن الاستعمال، وحاز النور فارتكس في الظلمات.
الرحلة من النور إلى الغبش: بدايات طالب العلم
يصف ابن الجوزي مشهداً يتكرر في كل زمان ومكان؛ مشهد ذلك الشاب الذي أقبل على العلم بكل جوارحه، فبذل ريعان شبابه، وأفنى أوائل عمره في الحفظ والمذاكرة. لقد صبر هذا الطالب على أنواع الأذى، وهجر فنون الراحات التي يتمتع بها أقرانه، ولم يكن دافعه في ذلك إلا الرغبة في التخلص من ربقة الجهل، وطلباً لفضيلة العلم التي تسمو بصاحبها فوق مراتب الجهل والرذيلة.
هذه المرحلة هي مرحلة “الأنفة من الجهل”، حيث يرى المرء في العلم نجاةً، وفي المعرفة رفعةً. ولكن، ما الذي يحدث حين تكتمل الأدوات وتبدأ الفتنة؟
الانتكاسة الكبرى: حين يضيق المعاش وتتسع المطامع
يقول ابن الجوزي: *”فلما نال منه طرفاً رفعه عن مراتب أرباب الدنيا، ومن لا علم له إلا بالعاجل ضاق به معاشه أو قل ما ينشده لنفسه من حظوظ”*. هنا تكمن نقطة التحول الخطيرة؛ فبعد أن ارتفع العالم بعلمه عن سفاسف الأمور، بدأت نفسه تنازعه إلى حظوظ الدنيا. لقد رأى أرباب الأموال والجاه يتقلبون في النعيم، فضاق ذرعاً بقلة ما في يده.
إنها اللحظة التي ينسى فيها العالم أن العلم في حد ذاته هو أعظم غنيمة، وأن الله إذا أعطاه الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً. فبدلاً من أن يرضى بالكفاف ويصون وقاره، بدأ في البحث عن وسيلة يلحق بها بركب أهل الدنيا، ولو كان الثمن هو كرامته وعلمه.
التواضع للسفلة: سقوط الهيبة وضياع الأنفة
يصف الإمام بمرارة حال هذا العالم الذي سافر في البلاد، لا لنشر هدي أو تعليم جاهل، بل ليطلب العطايا من الأرذال. يقول: *”فتواضع للسفلة وأهل الدناءة والمكاس وغيرهم”*.
يا لله! أين تلك الأنفة التي سهرت لأجلها الليالي؟ أين ذلك العز الذي كنت تنشده وأنت تطوي الأيام جائعاً في طلب حديث أو مسألة؟
إن ابن الجوزي يوجه خطاباً مباشراً ومؤلماً لهذا الصنف قائلاً:
> “ويحك أين تلك الأنفة من الجهل التي سهرت لأجلها، وأظمأت نهارك بسببها؟ فلما ارتفعت وانتفعت عدت إلى أسفل سافلين!”
تساؤلات تزلزل الوجدان
يطرح الإمام تساؤلات استنكارية تكشف عمق المأساة التي يعيشها علماء الدنيا:
1. فقدان الأنفة: هل يعقل ألا تبقى عندك ذرة من عزة النفس تمنعك من الوقوف بباب الأرذال؟
2. غياب أثر العلم: أين العلم الذي تعلمته؟ ألم يعلمك أن الهوى مناخ وبيل؟
3. ضعف الإرادة: ألم تحصل من العلم قوة تجذب بها زمام نفسك عن مراعي السوء والفتن؟
إن العلم الذي لا يورث صاحبه هيبة تمنعه من التذلل لغير الله هو علم مدخول، وتعب ضائع.
الخدعة الكبرى: “أطلب الدنيا لأستعين بها على العلم”
كثير من هؤلاء يبررون سقوطهم في فخ الطمع بحجة واهية، وهي أنهم يريدون جمع المال للاستعانة به على طلب العلم أو نشره. وهنا يضع ابن الجوزي يده على الجرح بوضوح تام، فيقول:
*”فاعلم أن التفاتك إلى نوع كسب تستغني به عن الأرذال أفضل من التزيد في علمك”*.
هذه قاعدة ذهبية لكل طالب علم ومشتغل بالدعوة:
- العمل الشريف: أن تعمل بيدك، أو تتاجر بصدق، أو تحترف مهنة تغنيك عن الناس، هو عبادة في حد ذاته.
- صيانة الوجه: إن بذل الوجه لمن لا يستحق هو أعظم خسارة يمنى بها العالم، فكيف يبذل وجهه الذي طالما صانه بالعلم لمن لا يساوي عند الله شيئاً؟
- الأولوية: الاكتفاء بما يسد الرمق مع صيانة الدين، مقدم على التوسع في العلوم مع ضياع المروءة.
- فتنة الجاهلين: حين يرى العوام والجهال العالم يتكالب على الدنيا، فإنهم يزهدون في العلم ويقتدون به في الجشع، فيكون العالم قدوة في الشر من حيث لا يشعر.
- عيب المتقين: سيسقط هذا العالم من أعين الصالحين والمتقين، وسيفقد تأثيره في القلوب، فما خرج من القلب وصل إلى القلب، وما كان للدنيا فلا جاوز الآذان.
- العلم وسيلة لا غاية: العلم وسيلة للتقرب إلى الله وتهذيب النفس، فإذا تحول إلى وسيلة للمال فقد قيمته.
- عزة النفس جزء من العلم: العالم الحقيقي هو من يرى نفسه غنياً بالله، فلا يذل نفسه لمخلوق.
- التحذير من المداهنة: القرب من أرباب الدنيا غالباً ما يؤدي إلى التنازل عن الثوابت الشرعية.
- أهمية الكسب الحلال: السعي في طلب الرزق بكرامة خير من التفرغ للعلم مع ذلة السؤال.
المخاطرة بالنفس وعاقبة السوء
يحذر ابن الجوزي من أن الاستمرار في هذا الطريق ليس مجرد طلب للرزق، بل هو مخاطرة بالدين والنفس. فالعالم الذي يغشى أبواب الظلمة والأرذال لن يسلم من المداهنة، ولن يقدر على الورع في المأخوذ.
ثم يطرح بعداً اجتماعياً خطيراً:
نصيحة لمن أحسن فيما مضى
في ختام مقالته، يوجه الإمام نصيحة رقيقة ومؤثرة لكل من أمضى عمره في العلم ثم فتنته الدنيا في آخره. يقول: *”ومن أحسن فيما مضى يحسن فيما بقي”*.
إن العمر قد مر أكثره، وما بقي أقل مما مضى، فمن القبح بمكان أن يختم المرء حياته بما يناقض علمه. إن العلم يذم الدنيا ويحذر من فتنتها، فكيف يفعل العالم ما يناقض علمه؟
دروس مستفادة من كلام ابن الجوزي حول علماء الدنيا:
ختاماً، إن فتنة علماء الدنيا هي فتنة قديمة متجددة، والنجاة منها لا تكون إلا بالإخلاص الصادق، واليقين بأن ما عند الله خير وأبقى، وأن كرامة العلم من كرامة حامله، فإذا أهان العالم نفسه، فقد أهان العلم الذي في صدره.
اللهم اجعل علمنا حجة لنا لا علينا، وارزقنا القناعة والأنفة، وصن وجوهنا عن سؤال غيرك، واجعلنا من العلماء العاملين المخلصين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً