علماء يكتشفون كائناً مجهرياً يكسر القواعد الأساسية للشفرة الوراثية

علماء يكتشفون كائناً مجهرياً يكسر القواعد الأساسية للشفرة الوراثية

مقدمة: دقة الحياة التي لا تتجزأ

لطالما اعتُبرت الشفرة الوراثية أحد أكثر الأنظمة دقة وإحكاماً في الطبيعة. تعمل الخلايا الحية على قراءة التعليمات الوراثية المكتوبة في الحمض النووي (DNA) في مجموعات مكونة من ثلاثة أحرف كيميائية تُعرف بـ “الكودونات” (Codons). في النظام التقليدي الذي درسه العلماء لعقود، يرتبط كل كودون بحمض أميني محدد أو بإشارة توقف قطعية. هذه الأحماض الأمينية تُربط معاً بتسلسل دقيق لبناء البروتينات، وهي الجزيئات المسؤولة عن تنفيذ معظم المهام الأساسية للحياة.

ومع ذلك، نجح باحثون من جامعة كاليفورنيا، بيركلي، في تحديد كائن مجهري يتحدى هذه القاعدة الراسخة. تُظهر نتائجهم أن ميكروباً واحداً على الأقل يمكنه تحمل “الغموض” في شفرته الوراثية، مما يقلب افتراضاً مركزياً في علم الأحياء رأساً على عقب، ويؤكد أن الحياة قادرة على العمل بشفرة تتسم بمرونة غير متوقعة.

الاكتشاف: حين يصبح “التوقف” مجرد خيار

الكائن المكتشف هو عضو منتج للميثان ينتمي إلى مجموعة من الميكروبات تُعرف باسم “العتائق” (Archaea)، ويُدعى Methanosarcina acetivorans. وجد الباحثون أن هذا الميكروب يتعامل مع تسلسل محدد من ثلاثة أحرف (UAG) بطريقتين مختلفتين تماماً. في العادة، يُعد كودون (UAG) “كودون توقف” (Stop Codon) يمثل نقطة النهاية لبناء البروتين. لكن هذا الميكروب يفسره أحياناً كإشارة توقف، بينما يفسره في أحيان أخرى كحمض أميني يُدعى “بيرولايسين” (Pyrrolysine) ويستمر في بناء السلسلة البروتينية.

هذا التفسير المزدوج يؤدي إلى إنتاج بروتينين مختلفين تماماً من نفس التعليمات الوراثية. تقول ديبتي ناياك، الأستاذة المساعدة في علم الأحياء الجزيئي والخلوي في جامعة كاليفورنيا بيركلي وكبيرة باحثي الدراسة: “من الناحية الموضوعية، يجب أن يكون الغموض في الشفرة الوراثية ضاراً؛ لأنه يؤدي إلى توليد مجموعة عشوائية من البروتينات. لكن الأنظمة البيولوجية أكثر غموضاً مما نعتقد، وهذا الغموض هو في الواقع ميزة وليس عيباً”.

الأهمية العلمية: الميثان وصحة الإنسان

لا تقتصر أهمية هذا الاكتشاف على الجانب النظري في علم الوراثة، بل تمتد إلى الوظائف البيئية والصحية. تلعب العتائق التي تستهلك مادة “ميثيل أمين” دوراً حيوياً في صحة الإنسان. فعندما يتناول البشر اللحوم الحمراء، يقوم الكبد بتحويل بعض النواتج الثانوية إلى مركب يُسمى “أكسيد ثلاثي ميثيل الأمين” (TMAO)، المرتبط بأمراض القلب والأوعية الدموية. الميكروبات مثل M. acetivorans، التي تزيل مركبات الميثيل أمين قبل وصولها إلى الكبد، تساعد في الحد من إنتاج هذا الجزيء الضار.

وقد أظهرت الدراسة أن توفر حمض “البيرولايسين” داخل الخلية قد يكون هو المفتاح لهذا الغموض. فعندما يكون هذا الحمض الأميني نادراً، يعمل الكودون (UAG) كإشارة توقف، ولكن عندما يتوفر بكثرة، يتم دمجه في البروتين ويستمر التخليق. وبما أن الميكروب يحتوي على ما بين 200 إلى 300 جين تحتوي على هذا الكودون، فإن ذلك يعني أن الخلية يمكنها تعديل شكل بروتيناتها بناءً على الظروف البيئية.

الآفاق المستقبلية: من الميكروبات إلى العلاج الجيني

يفتح هذا الاكتشاف آفاقاً طبية واعدة. تُعزى بعض الاضطرابات الوراثية البشرية إلى وجود “كودونات توقف مبكرة” في جينات حيوية، مما يؤدي إلى إنتاج بروتينات ناقصة وغير وظيفية. تُشكل هذه الحالات حوالي 10% من الأمراض الوراثية، بما في ذلك التليف الكيسي وضمور العضلات الدوشيني.

يعتقد العلماء أن فهم كيفية جعل كودونات التوقف “منفذة” أو “مُسربة” (Leaky) كما هو الحال في هذا الميكروب، قد يسمح بتطوير استراتيجيات تجعل الخلايا البشرية تتجاهل كودونات التوقف المبكرة وتنتج بروتينات كاملة الطول، مما قد يخفف من أعراض هذه الأمراض المستعصية.

إن ما بدأ كدراسة لكائن مجهري بسيط في بيئة قاسية، انتهى بإعادة تعريف فهمنا للغة الحياة، مؤكداً أن المرونة البيولوجية قد تكون هي المفتاح الحقيقي لبقاء الكائنات وتكيفها عبر مليارات السنين.


المصدر العلمي: ScienceDaily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *