علماء يلتقطون “الصوت الثاني”: اكتشاف ثوري يكشف لغة الحرارة الخفية في السوائل الفائقة

علماء يلتقطون “الصوت الثاني”: اكتشاف ثوري يكشف لغة الحرارة الخفية في السوائل الفائقة

في خطوة علمية غير مسبوقة، تمكن علماء من التقاط صور مرئية لظاهرة "الصوت الثاني" الغريبة في السوائل الفائقة، وهو اكتشاف يفتح آفاقًا جديدة لفهم سلوك المادة في أقصى الظروف الفيزيائية. فما هو "الصوت الثاني"؟ وما أهمية هذا الإنجاز العلمي؟

السوائل الفائقة: عالم ما وراء المألوف

تخيل مادة تتدفق دون مقاومة، تتسلق الجدران، ولا تتوقف عن الدوران أبدًا. هذه ليست مادة من عالم الخيال العلمي، بل هي السوائل الفائقة، وهي حالة فيزيائية نادرة تتجسد عندما تُبرد بعض المواد إلى درجات حرارة قريبة جدًا من الصفر المطلق (-273.15 درجة مئوية).

  • خصائص فريدة: تتميز السوائل الفائقة بخصائص غير عادية، أبرزها:

    • اللزوجة الصفرية: تتدفق دون أي احتكاك أو مقاومة.
    • التوصيل الحراري الفائق: تنقل الحرارة بكفاءة عالية جدًا.
    • تأثير النافورة: تتسلق جدران الحاوية وتخرج منها تلقائيًا.
  • أمثلة على السوائل الفائقة:
    • الهليوم-4 السائل (عند تبريده إلى أقل من 2.17 كلفن).
    • الليثيوم-6 والصوديوم (عند تبريدهما بتقنيات الليزر المتقدمة).

"الصوت الثاني": الحرارة تتحدث

في السوائل العادية، تنتقل الحرارة بشكل عشوائي، ولكن في السوائل الفائقة، تتصرف الحرارة بشكل مختلف تمامًا. بدلًا من الانتشار العشوائي، تتحرك الحرارة على شكل موجة، تمامًا مثل الصوت. هذه الظاهرة الغريبة تُعرف باسم "الصوت الثاني".

  • تحدي الرؤية: لطالما حاول العلماء رصد "الصوت الثاني" بصريًا، ولكن دون جدوى، لأن السوائل الفائقة لا تُصدر إشعاعًا حراريًا يمكن تتبعه بالأشعة تحت الحمراء.

اختراق علمي: تصوير اهتزازات الذرات

لتجاوز هذا التحدي، طور باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا طريقة جديدة تعتمد على مراقبة ذبذبات الذرات بدلًا من حرارة الأشعة تحت الحمراء.

  • التقنية الجديدة:

    • استخدام ذرات الليثيوم-6.
    • تسخين الذرات قليلًا لجعلها تهتز بترددات أعلى.
    • استخدام موجات راديوية دقيقة لجعل الذرات تهتز بطريقة واضحة يمكن تتبعها.
  • النتيجة: تمكن العلماء من تصوير حركة الحرارة داخل السائل الفائق إطارًا تلو الآخر، ورأوا أن الحرارة تتحرك على هيئة موجة صوتية ترتد بين الجدران.

تطبيقات محتملة وآفاق مستقبلية

لا يقتصر هذا الاكتشاف على الجانب النظري، بل يفتح آفاقًا جديدة لفهم سلوك أكثر الكيانات غرابة في الكون، مثل:

  • النجوم النيوترونية فائقة الكثافة: فهم كيفية انتقال الحرارة داخل هذه النجوم.
  • المواد الخارقة: تطوير مواد تنقل الكهرباء دون فقدان للطاقة (الموصلات الفائقة)، وهو حلم يسعى العلماء لتحقيقه منذ عقود.

نافذة على عالم الكم

يقول البروفيسور مارتن زويرلاين، المشرف على الدراسة: "ما نرصده هنا في ذرات أخف من الهواء بمليون مرة، يشبه إلى حد كبير سلوك الإلكترونات في الموصلات فائقة التوصيل، أو حتى النيوترونات في قلب نجم نيوتروني. فلدينا الآن نافذة نادرة تسمح لنا بقياس سلوك الحرارة بدقة لم تكن ممكنة من قبل".

إن هذا الإنجاز العلمي لا يعيد تعريف انتقال الحرارة فحسب، بل يفتح الباب لفهمها كظاهرة ديناميكية، نابضة، وربما كلغة خفية تتردد داخل أعماق المادة.

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *