عمارة الأرض بلسان الضاد: ملتقى “بالعربي” 2026 وآفاق الاستخلاف الفكري

عمارة الأرض بلسان الضاد: ملتقى “بالعربي” 2026 وآفاق الاستخلاف الفكري

عمارة الأرض بلسان الضاد: ملتقى "بالعربي" 2026 وآفاق الاستخلاف الفكري

الحمد لله الذي أنزل القرآن بلسان عربي مبين، وعلّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على أفصح مَن نطق بالضاد، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداهم بإحسان إلى يوم الدين. إن الكلمة هي بذر الوجود، والفكرة هي حجر الزاوية في صرح الحضارة، ومن هذا المنطلق الإيماني والحضاري، تأتي مبادرة بالعربي لتؤكد أن لغتنا ليست وعاءً للماضي فحسب، بل هي شريان الحياة للمستقبل.

بأفكارنا نبني: رؤية شرعية وحضارية

تستعد مؤسسة قطر لإطلاق النسخة السنوية من ملتقى "بالعربي" 2026، والمزمع عقده في يومي 19 و20 سبتمبر في مبنى "ملتقى" بالدوحة، تحت شعار يحمل عمقاً استخلافياً هو "بأفكارنا نبني". إن هذا الشعار يستلهم جوهره من قوله سبحانه وتعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}، فالإعمار يبدأ من نضوج الفكرة في العقل، ثم صقلها بالحوار الشوري، وصولاً إلى تحويلها لواقع ينفع الناس ويمكث في الأرض.

ويسعى الملتقى عبر جلساته الاستكشافية وكلماته الرئيسية إلى رسم خارطة طريق للمبدع العربي، تجمع بين الأصالة والمعاصرة، بالتعاون مع عشرة شركاء محليين وإقليميين، ليكون هذا المحفل منبراً لتبادل الحكمة التي هي ضالة المؤمن.

عقول نيّرة في خدمة الأمة

لقد اجتبت المبادرة من بين أكثر من 1,100 طلب مشاركة نخبة من المتحدثين الذين سخروا علمهم لرفعة مجتمعاتهم، تجسيداً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ". ومن أبرز هؤلاء الأعلام:

  • في التقنية والابتكار: رائد الأعمال عصام حجازي، والدكتور بشير حليمي الذي طوع البرمجيات لخدمة لغة القرآن، والمهندس حمد مبارك الهاجري.
  • في الصمود والشهادة على الحق: الصحفي الصابر وائل الدحدوح، الذي يجسد بصوته ثبات المرابطين.
  • في العلوم الدقيقة والاستدامة: العالم الدكتور سعيد إسماعيل في علم الجينوم، والمهندس مشعل عوض العتيبي في حلول الطاقة المستدامة.
  • في الفكر والهوية: الباحث أيوب ذنون الساعي لتجديد الخطاب الحضاري، والمفكر محمد فارس، والمهندس ياسر بهجت، والرحالة خالد الجابر.

شراكات البر والتقوى المعرفية

تتلاقى الجهود في هذا الملتقى لتشكل نسيجاً متكاملاً من المعرفة، عملاً بقوله عز وجل: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ}. ويقدم الشركاء تجارب ثرية تشمل:

  1. السرد والقراءة: عبر معرض "وحي القلم" لقطر تقرأ، وبرنامج "اقرأ لي" لمؤسسة الملكة رانيا.
  2. الحوار والبيان: من خلال مساحات مركز مناظرات قطر، فـ "إن من البيان لسحراً" كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم.
  3. التكنولوجيا والعلوم: عبر مشاركة النادي العلمي القطري في مجالات الروبوتات والطباعة ثلاثية الأبعاد، وأنشطة جامعة كامبريدج.
  4. الفن والعمارة: حيث يمتزج النغم بالبحث الأكاديمي مع الدكتور مصطفى سعيد، وتتجلى "عمارة الفكر" في المعارض الفنية المصاحبة.

من الإقليم إلى الدوحة: وحدة الهدف

لم يكن ملتقى الدوحة وليد الصدفة، بل هو ثمرة جولة إقليمية مباركة شملت دمشق وعمّان وجربة، حيث استمعت مبادرة بالعربي لنبض العقول العربية في محطاتها المختلفة. إن هذا التواصل الجغرافي يذكرنا بوحدة الأمة التي يجمعها لسان واحد وهدف أسمى، وهو إعلاء شأن الكلمة الطيبة التي {أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ}.

الخاتمة: دعوة للاعتزاز بالهوية

إن مبادرة بالعربي التي انطلقت عام 2024 ليست مجرد حدث ثقافي، بل هي استنفار للهمم واستعادة للثقة بالذات الحضارية. إنها دعوة لكل شاب وشابة ليكونوا ورثة حقيقيين لعلماء الأمة الأوائل، يبتكرون بلغتهم، ويبنون بأفكارهم، ويؤمنون بأن لغة الضاد هي وعاء الوحي ومنطلق النهضة.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الجهود، وأن يجعل هذا الملتقى حجة لنا لا علينا، وأن ينفع به البلاد والعباد، ويحفظ لغتنا العربية عزيزة شامخة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *