عناقيد الموت: كيف تتربص الذخائر العنقودية بالأبرياء بعد صمت المدافع؟

عناقيد الموت: كيف تتربص الذخائر العنقودية بالأبرياء بعد صمت المدافع؟

هل ينتهي الموت حين تصمت المدافع؟

تتوقف الغارات، وتكفُّ الطائرات عن عويلها في السماء، لكنَّ الأرض تظلُّ حبلى بموتٍ مؤجل لا يعرف السكينة. الحقيقة الصادمة التي يكشفها تقرير "مرصد الذخائر العنقودية 2026" هي أن الذخائر العنقودية تتحول بمرور الزمن من أدوات حرب آنية إلى ألغامٍ خفية، تترصد بالمدنيين في حقولهم، وتحت ركام بيوتهم، لسنواتٍ طوال بعد انقشاع غبار المعارك.

تشريح الكارثة: كيف تزرع الحرب بذور فجيعتها؟

تعمل الذخائر العنقودية بآلية هندسية غادرة؛ فهي قذائف أو صواريخ تُطلق من الجو أو البر، تنفتح في كبد السماء لتنثر مئات القنيبلات الصغيرة على مساحات شاسعة، كأنها بذورٌ من جحيم. تكمن المعضلة العلمية في أن نسبة كبيرة من هذه القنيبلات تفشل في الانفجار فور ارتطامها بالأرض، لتتحول إلى "ذخائر غير منفجرة" تسكن التراب بصمت، منتظرةً لمسة طفل عابثة أو خطوة فلاحٍ كادح لتنفجر فيه.

لغة الأرقام: حصادٌ دامٍ في عام واحد

لم تكن سنة 2025 مجرد رقم في التقويم، بل كانت فصلاً دموياً سجلته الإحصائيات الموثقة:

  • 1063 ضحية: هو العدد الأدنى لمن قتلتهم أو أصابتهم هذه الأسلحة حول العالم خلال عام 2025.
  • 87% من الضحايا مدنيون: نسبة مفزعة تؤكد أن هذه الأسلحة لا تميز بين مقاتل وبريء.
  • 9 دول منكوبة: سجلت أفغانستان وكمبوديا والعراق ولاوس ولبنان وميانمار وروسيا وسوريا وأوكرانيا ضحايا جدد جراء هذه الأسلحة.

جغرافيا الألم والصراعات المعاصرة

يشير التقرير بوضوح إلى أن استخدام الذخائر العنقودية لا يزال مستمراً من قبل دول لم تنضم إلى المعاهدات الدولية. ففي الفترة الممتدة من منتصف 2025 إلى منتصف 2026، رُصد استخدامها في نزاعات محتدمة، لا سيما في الحرب الروسية الأوكرانية، وفي مناطق شمال مالي، فضلاً عن النزاع الحدودي بين تايلاند وكمبوديا.

الأمر الأكثر إثارة للقلق هو استمرار إنتاج هذه الأسلحة في دول كبرى مثل الصين والهند وإسرائيل وروسيا وكوريا الشمالية، حيث تظل 18 دولة خارج إطار الاتفاقية الدولية، محتفظةً بقدرتها على تصنيع هذا الموت المعلب وتصديره.

المظلة القانونية وتحديات الانحسار

منذ عام 2008، وقفت "اتفاقية الذخائر العنقودية" سداً منيعاً يحظر استخدام وإنتاج وتخزين هذه الأسلحة، وتلزم الدول بإزالة مخلفاتها. ورغم انضمام 112 دولة إليها، كان آخرها فانواتو في سبتمبر 2025، إلا أن الاتفاقية واجهت طعنةً غير مسبوقة بانسحاب ليتوانيا منها في مارس 2025، لتكون أول دولة عضو تتراجع عن هذا الالتزام الأخلاقي والقانوني.

عوائق التطهير: حين يغيب التمويل

تطهير الأرض من هذه "العناقيد" يتطلب إرادة دولية وتمويلاً سخياً، غير أن الواقع يشهد تراجعاً مقلقاً:

  1. تجميد المساعدات: أدى وقف المساعدات الخارجية الأمريكية في فبراير 2025 إلى تعطل عمليات الإزالة في جنوب شرق آسيا.
  2. انحسار المنح: تأثرت قدرات التطهير في دول مثل العراق وأفغانستان وجنوب السودان نتيجة تقليص المانحين لمخصصاتهم.
  3. الفجوة المالية: رغم تخصيص 116 مليون دولار في 2025، إلا أن الاحتياج الفعلي يفوق هذا الرقم بكثير أمام مساحات التلوث الواسعة.

خاتمة: نداء إلى الضمير العالمي

إن الذخائر العنقودية ليست مجرد سلاح عسكري، بل هي وصمة عار في جبين الحضارة المعاصرة، فهي تسرق المستقبل من عيون الأطفال الذين لم يشهدوا الحرب، لكنهم يدفعون ثمنها من أجسادهم. إن مؤتمر المراجعة الثالث المقرر عقده في لاوس في سبتمبر 2026 يمثل فرصة أخيرة للعالم ليثبت أن الإنسانية أقوى من آلات الدمار، وأن تطهير الأرض من بذور الموت هو واجبٌ أخلاقي لا يقبل التأجيل أو المساومة. فهل يستجيب الضمير العالمي قبل أن تحصد هذه العناقيد مزيداً من الأبرياء؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *