عوائق النهضة الإسلامية: في فقه الهزيمة النفسية ومفهوم القابلية للاستعمار

عوائق النهضة الإسلامية: في فقه الهزيمة النفسية ومفهوم القابلية للاستعمار

مقدمة: غسق التبعية وإشراق الذات

إنّ المتأمل في واقع أمتنا الإسلامية اليوم يلحظ غبشاً يغشي الأبصار، وعائقاً كؤوداً يحول بينها وبين استئناف دورتها الحضارية؛ وما ذلك العائق إلا تلك الهزيمة النفسية التي استوطنت سويداء القلوب، واستحكمت في عقول طائفة من صناع القرار وأرباب الفكر. إنها الحالة التي تفت في عضد النهضة، وتكرس ما اصطلح عليه المفكرون بـ القابلية للاستعمار، ذلك الداء العضال الذي يجعل الأمة ترزح تحت وطأة التبعية حتى بعد رحيل جند المستعمر عن ديارها.

فلسفة الانكسار: ولع المغلوب بتقليد الغالب

لقد شخص العلامة ابن خلدون في مقدمته داءً نفسياً واجتماعياً عميقاً، حين قرر أن المغلوب يسارع إلى محاكاة غالبه في سائر شؤونه، ظناً منه أن سر الغلبة يكمن في تلك المظاهر والقشور. وفي الباب الثاني من مقدمته، وتحديداً في الفصل الثالث والعشرين، يضع ابن خلدون يده على الجرح في فصل وسمه بـ "في أنّ المغلوب مُولَع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزِيِّه ونِحلَته وسائر أحواله وعوائده".

ويفسر لنا ابن خلدون هذا الارتماء في أحضان الآخر بقوله:

"والسّبب في ذلك أنّ النّفس أبدًا تعتقد الكمال في مَن غَلَبَها وانقادت إليه؛ إمّا لنظره بالكمال بما وَقَرَ عندها من تعظيمه، أو لما تغالِط به من أنّ انقيادها ليس لغَلَبٍ طبيعيّ، إنّما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك واتّصل لها اعتقادًا فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبّهت به، وذلك هو الاقتداء، أو لما تراه -والله أعلم- من أنّ غَلَب الغالب لها ليس بعصبيّة ولا قوّة بأس؛ وإنّما هو بما انتحلته من العوائد والمذاهب، تُغالِط أيضًا بذلك عن الغَلَبِ، وهذا راجع للأوّل، ولذلك ترى المغلوب يتشبّه أبدًا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتّخاذها وأشكالها بل وفي سائر أحواله".

إنها هزيمة الروح التي تُفضي إلى تقديس الغالب، واعتبار تفوقه قدراً محتوماً يخرج عن نطاق السنن التاريخية، مما يدفع المثقف المفتون إلى تقليد مرضيّ يطمس هويته ويُعطل ملكة النقد لديه.

مالك بن نبي وجدلية القابلية للاستعمار

لقد أحيا الأستاذ مالك بن نبي هذا المفهوم الخلدوني، وصاغه في قالب فكري حديث ضمن كتابه الفذ (شروط النهضة)، مفرقاً بين "الاستعمار" كقوة خارجية، وبين القابلية للاستعمار كعلة داخلية. ويرى بن نبي أن العالم الإسلامي لن يستطيع تشييد صرح نهضته ما دام أفراده يستمرئون السلبية واللامبالاة، ويرضون بالهوان دون بذل الجهد لتغيير ما بأنفسهم، تصديقاً لقول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}.

وتتجلى هذه القابلية في مظاهر عدة، منها:

  • الاستسلام النفسي: الرضا بالواقع المتدهور واعتباره قدراً لا يرتفع.
  • التبعية المعرفية: تبني أطروحات المستعمر والدفاع عنها كأنها حقائق مطلقة.
  • محو الذات: الشعور بالدونية والصغار أمام منجزات الآخر، وهو ما حذر منه محمد إقبال.
  • التقليد البليد: استنساخ النماذج الغربية أو الشرقية دون مراعاة الخصوصية العقدية والحضارية.

ترياق الهزيمة وسبيل التحرر

إن الاستعمار الفكري أشد فتكاً من الاستعمار العسكري؛ إذ يظل تأثيره متصاعداً حتى بعد الجلاء السياسي. ولعل في تراث مفكرينا أمثال جودت سعيد، وعلي عزت بيغوفيتش، وعبد الوهاب المسيري نبراساً يضيء لنا سبل الخلاص. إن الطريق يبدأ من الداخل، ومن استعادة الثقة بالذات الحضارية المستمدة من وحي الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

إننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى تفعيل قاعدة مالك بن نبي الذهبية: "أخرجوا المستعمر من أنفسكم يخرج من أرضك". فمتى ما تحرر العقل من قيود التبعية، والروح من أصفاد الدونية، انفتحت آفاق الإبداع والنهوض.

خاتمة: نحو استقلال حضاري شامل

ختاماً، إن معركة النهضة هي في جوهرها معركة وعي وإرادة. إن التخلص من القابلية للاستعمار يقتضي نقد الذات ومراجعة المسارات، والعودة إلى منبع العزة والتمكين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوقظ فينا الهمم، ويشرح صدورنا للحق، ويجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يمنّ على أمتنا بنهضة تعيد لها مجدها الغابر ودورها الريادي في هداية البشرية. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *