شهدت الساحة اللبنانية والإقليمية تصعيداً دراماتيكياً خلال الساعات الأخيرة، حيث اختلطت دماء القتلى في جنوب لبنان بضجيج التحركات الدبلوماسية المكثفة في إسلام آباد. وبينما يستعد العالم لمتابعة محادثات السلام المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان، لا تزال المدافع والطائرات ترسم مشهداً مغايراً على الأرض، وسط تساؤلات حول جدوى الاتفاقيات المشروطة في ظل استمرار العمليات العسكرية.
مجزرة النبطية: استهداف مباشر لمكتب أمن الدولة
تعرضت مدينة النبطية في جنوب لبنان لواحدة من أعنف موجات القصف الإسرائيلي منذ بدء التصعيد الحالي. وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية بأن غارة إسرائيلية استهدفت محيط السرايا الحكومي، مما أدى إلى تدمير مكتب تابع لجهاز أمن الدولة اللبناني. وأسفرت هذه الغارة في حصيلة أولية عن مقتل 8 من عناصر أمن الدولة، في حين وصفت المصادر المحلية الدمار في الأحياء والشوارع المحيطة بـ “الهائل”.
وتزامن هذا القصف مع إعلان الجيش الإسرائيلي عن تدمير منصات إطلاق صواريخ وبنى تحتية تابعة لحزب الله في مناطق متفرقة من الجنوب، مدعياً تصفية أكثر من 1400 من مسلحي الحزب منذ انطلاق عملياته العسكرية. وفي المقابل، تحقق فريق بي بي سي من لقطات تظهر دماراً واسعاً في النبطية، مؤكداً وقوع الضربات في مناطق مدنية وإدارية حيوية.
حزب الله يحذر من التنازلات ويقصف قاعدة أسدود
في أول رد فعل سياسي وعسكري، وجه الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، رسالة شديدة اللهجة إلى الحكومة اللبنانية، محذراً إياها من تقديم ما وصفه بـ “تنازلات مجانية” لإسرائيل قبيل المفاوضات المزمع عقدها في واشنطن الأسبوع المقبل. وأكد قاسم أن الحزب لن يقبل بالعودة إلى الوضع السابق، مندداً بما وصفه بـ “الإجرام الدموي” الذي تمارسه إسرائيل.
وعلى الصعيد الميداني، أعلن حزب الله استهداف قاعدة بحرية إسرائيلية في ميناء أسدود بصواريخ نوعية، معتبراً ذلك رداً أولياً على خروقات وقف إطلاق النار واستهداف العاصمة بيروت. وتأتي هذه التطورات في وقت أكد فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عزم بلاده على نزع سلاح حزب الله كشرط أساسي لأي اتفاق سلام شامل.
مفاوضات باكستان: سباق مع الزمن وسط إجراءات أمنية مشددة
دبلوماسياً، تتجه الأنظار إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، حيث وصل نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس للمشاركة في محادثات سلام مع الوفد الإيراني. وصرح فانس قبيل وصوله بأن الولايات المتحدة مستعدة لـ “مد اليد” إذا أثبتت طهران حسن نواياها، لكنه حذر من أي محاولات للتلاعب بالمفاوضات.
وتأتي هذه المحادثات وسط غموض يلف تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار المشروط الذي أعلنه الرئيس ترامب سابقاً، والذي يشمل إعادة فتح مضيق هرمز ووقف الضربات الجوية ضد إيران. ومع ذلك، لا يزال وضع لبنان في هذه الاتفاقات نقطة خلاف جوهرية؛ فبينما تسعى باكستان لإشراكه كطرف أصيل، تؤكد إسرائيل والولايات المتحدة أن لبنان ليس جزءاً من التفاهمات الحالية مع إيران.
أزمة مضيق هرمز وتداعياتها على أسعار النفط
لم يقتصر تأثير الصراع على الجبهات العسكرية، بل امتد ليشمل عصب الاقتصاد العالمي. فقد حذر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر من هشاشة وقف إطلاق النار الحالي، مشدداً على ضرورة وجود “خطة عملية” لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية.
وفي ظل تهديدات إيران باستهداف السفن التي تعبر الممر المائي دون موافقتها، سجلت أسعار النفط للتسليم الفوري ارتفاعات قياسية، حيث وصل سعر خام “فورتيس بليند” إلى 147 دولاراً للبرميل، وهو مستوى لم يشهده العالم منذ أزمة عام 2008. هذا الفارق الشاسع بين أسعار العقود الآجلة والتسليم الفوري يعكس حالة القلق العميقة لدى المصافي العالمية من انقطاع الإمدادات، مما ينذر بموجة غلاء عالمية قد تطال الوقود والسلع الأساسية.
موقف دولي قلق واتفاقات “مليئة بالثغرات”
أعربت فرنسا وباكستان عن قلقهما البالغ إزاء “الانتهاكات الخطيرة” لوقف إطلاق النار في لبنان، مؤكدتين على ضرورة التنفيذ الكامل للقرارات الدولية. ووصف مراقبون الوضع الراهن بأنه “وقف إطلاق نار بالاسم فقط”، حيث يشبه قطعة الجبن السويسري المليئة بالثغرات، إذ تستمر العمليات العسكرية في لبنان، والتهديدات في البحر، والهجمات بالمسيرات في مناطق أخرى مثل كردستان العراق والكويت.
تبقى الأيام القادمة حاسمة في تحديد مسار المنطقة، فإما أن تنجح ضغوط واشنطن وطهران في تثبيت هدنة شاملة، أو أن يؤدي التصعيد الميداني في النبطية وجنوب لبنان إلى انهيار كامل للمساعي الدبلوماسية قبل أن تبدأ فعلياً.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً