غبش الرؤية وانفصام الفهم: جناية أنصاف الواعين على مسيرة الإصلاح

إنَّ استشراف آفاق الواقع واستكناه غوامضه ليس ترفاً فكرياً يزجي به الداعية وقته، ولا هو نافلة من القول يستغني عنها المصلح في مسيرته، بل هو ركنٌ ركين في بناء المشروع الإصلاحي، وضرورة شرعية تمليها مقاصد الشريعة في رعاية مصالح العباد. إنَّ ما يُصطلح عليه بـ “فقه الواقع” يمثل البوصلة التي توجّه حركة الدعوة، والأساس المتين الذي تُشيّد عليه صروح التغيير الإيجابي؛ فبدون وعيٍ عميق بمجريات الأحداث، تظل الحركة عشوائية، والجهود مبعثرة، والنتائج بعيدة المنال.

فقه الواقع: حجر الزاوية في البناء الإصلاحي

يمثل الفهم الدقيق للواقع حجر الزاوية في سلامة المنهج وصوابية الحركة الدعوية والاجتماعية. فمن خلال هذا الوعي، يستطيع المصلح سبر أغوار البيئة التي يعمل فيها، فيقف على نقاط القوة ليعززها، ويشخص مواطن الضعف ليعالجها. إنَّ هذا الإدراك المحيطي يسمح للداعية بـ:

  • استكشاف الفرص الكامنة: حيث يبصر المصلحُ الثغراتِ التي يمكن من خلالها النفاذ بالخير، والمساحات المتاحة للتأثير والبناء.
  • تحليل التهديدات والتحديات: فلا يُؤخذ المصلح على غرة، بل يكون مستعداً للمؤامرات أو العقبات التي قد تعترض طريق الدعوة، واضعاً لكل طارئ خطة بديلة.
  • ترتيب الأولويات الاستراتيجية: إذ ليس كل خيرٍ مقدماً في كل وقت، فبفقه الواقع يعلم المرء أي الملفات أجدر بالفتح، وأي القضايا أحق بالمعالجة العاجلة، وكيف يوازن بين المصالح والمفاسد.
  • رسم الخطط المرحلية: فالوعي يحول دون الارتجال، ويجعل العمل مؤسسياً مبنياً على رؤية واضحة، تُحدد فيها الأهداف بدقة وتُقاس فيها الإمكانات بموضوعية.
  • إنَّ اختيار الأساليب الدعوية المناسبة ليس أمراً عفوياً، بل هو ثمرة ناضجة من ثمار الوعي؛ فالخطاب الذي يصلح لبيئة مترفة قد لا يجدي نفعاً في بيئة تعاني العوز، واللغة التي تخاطب عقول المثقفين تختلف في أدواتها عن تلك التي تلامس قلوب العامة، وهذا التمايز في الأسلوب لا يتقنه إلا من أحاط بواقعه خُبراً.

    سيكولوجية المواقف وخرائط التأثير

    لا يتوقف وعي المصلح عند رصد الأحداث، بل يمتد ليشمل فهم الطبائع البشرية والتحولات النفسية والاجتماعية لمن حوله. إنَّ الوعي الكامل يمنح المصلح قدرة “رادارية” لتصنيف القوى الفاعلة في محيطه، فيدرك:
    1. الصف الموالي: وهم الأنصار الذين يشاطرونه الرؤية والهدف، فيعرف كيف يستثمر طاقاتهم ويشد من أزرهم.
    2. الخصوم والمناوئون: وهم الذين يقفون في خندق المعارضة، فيفهم منطلقاتهم ليتقي شرهم أو ليدفع بالتي هي أحسن بما يكسر حدة عدائهم.
    3. المترددون والمتقلبون: وهم فئة ترهن مواقفها بتبدل المصالح والظروف الزمانية والمكانية، والوعي بهؤلاء يحمي المصلح من التعويل عليهم في المنعطفات الحاسمة.
    4. الفئة الحيادية: الذين يقفون في منطقة الوسط، لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، فيرسم استراتيجية مناسبة لاستمالتهم أو على الأقل تحييدهم عن الصراع.

    هذا التشريح الدقيق للواقع البشري يثمر رشداً في تنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع المتجددة، ويجعل المصلح قادراً على تقدير المواقف بذكاء؛ فيعلم يقيناً متى يكون الإقدام شجاعة وحكمة، ومتى يكون الإحجام حزماً وبعد نظر، ومتى يقتضي الموقف ليناً يكسر القلوب القاسية، ومتى يتطلب شدةً تحفظ هيبة الحق، ومتى يكون التدرج في المعالجة مسلكاً نبوياً أصيلاً لا يقبل القفز فوق المراحل.

    معضلة “نصف الوعي”: حين يكون الفهم قيداً للتضليل

    على الرغم من الثمار اليانعة للوعي، إلا أنَّ ثمة نوعاً مشوهاً منه يعد أخطر على الأمة من الجهل المطبق، وهو ما يمكن تسميته بـ “نصف الوعي”. لقد قيل قديماً في الحكمة المأثورة: “ربَّ جهلٍ أنفعُ من نصف علم”؛ فالحقيقة المرة هي أن الجاهل البسيط يدرك قصور نفسه، فإذا ما استشعر الحاجة سأل واستفصل، وإذا ما عُرض عليه الحق قبله لعدم وجود عوائق ذهنية مسبقة لديه، فهو يتوقف عند حدود فهمه ولا يتجاوز قدره.

    أما صاحب “نصف العلم” أو “نصف الوعي”، فهو الكارثة الحقيقية؛ لأنه يحوز شطراً من الصورة ويغيب عنه شطرها الآخر، لكنه يظن لجهله وغروره أنه قد أحاط بالمسألة من أطرافها كافة. إنَّ خطورة هذه الفئة تكمن في:

  • التصدر قبل الأوان: حيث يركب صاحب نصف الوعي صهوة التوجيه، ويجلس على كراسي التأثير، ويبدأ في توزيع الفتاوى والتحليلات وهو يفتقد للأدوات المنهجية المتكاملة.
  • التجهيل الممنهج: فبسبب ما يتمتع به من لسان ذلق أو ظهور براق، يتحول إلى أداة لتغييب وعي الجماهير، حيث يقدم لهم أوهاماً في ثوب حقائق، وتصورات مجتزأة في لباس الاكتمال.
  • فتح أبواب الفتنة: فنصف الوعي الذي لا يعي صاحبه أنه ناقص هو وسيلة مثالية لقطع الطريق على أهل الفقه الراسخين؛ إذ يشوش على الناس بفهوم مغلوطة تبدو في ظاهرها منطقية، لكنها في عمقها تخلو من البصيرة.
  • إنَّ أنصاف الفهوم حين تُلبس رداء الحقيقة، تختلط فيها الحكمة بالاندفاع المتهور، أو بالتواني المفرط تحت دعاوى الحنكة الزائفة، فتضيع الحقائق بين وهم الواهمين وتدليس المتعالمين.

    جناية التصدر قبل نضج الأهلية

    إن المتأمل في المشهد الدعوي والفكري المعاصر، يجد أن ظاهرة “التزبُّب قبل التحصرم” قد استفحلت، حيث برز الكثير ممن لم يستكملوا أدوات الطلب، ولم تنضج ملكاتهم الفكرية، ليتحدثوا في أدق مسائل فقه الواقع. إن هؤلاء كمن أراد أن يجني الثمار قبل نضجها، فما أطعموا الناس إلا مراراً.

    وكما أنه من المتقرر شرعاً وعقلاً عدم جواز أخذ الفقه والفتوى عن أنصاف المتعلمين الذين لم يرسخوا في علوم الشريعة، فإنه وبذات الدرجة من الحرمة والمنع، لا يجوز استقاء تصورات الواقع، ولا قبول تحليل النوازل والأحداث، ممن لم يحط بالواقع خُبراً. إنَّ تحليل الواقع ليس مجرد قراءة عابرة للأخبار، بل هو علم يتطلب:

  • فهم السنن الكونية والاجتماعية التي تحكم حركة التاريخ.
  • استيعاب التشابكات المعقدة في العلاقات الدولية والاقتصادية والسياسية.
  • القدرة على الربط بين السياقات التاريخية والمؤثرات الراهنة.
  • البصيرة التي تميز بين الظواهر العارضة والتحولات الجذرية.

من افتقد هذه الأدوات ثم تصدّر ليقود وعي الناس، فقد خان الأمانة، وتسبب في حالة من “التغفيل الجماعي” التي تضعف جسد الأمة وتجعلها لقمة سائغة لكل طامع.

منهجية التلقي وضوابط الاستمداد المعرفي

أمام هذا السيل العارم من أنصاف الواعين وأدعياء الفهم، يصبح لزاماً على كل طالب للوعي، وعلى كل داعية ومصلح، أن يمارس أعلى درجات التحري والتدقيق فيمن يستقي منه وعيه وفهمه. إن بناء الوعي عملية تراكمية حساسة لا تقبل التهاون، ومن أهم ضوابطها:
1. عدم الانخداع بالظهور: فليس كل من امتلك منبراً أو اشتهر في وسيلة تواصل هو بالضرورة من أهل الوعي والرسوخ.
2. التخصص في التلقي: يجب أن ندرك أن من يحسن التحدث في باب من أبواب العلم أو الواقع، ليس بالضرورة مؤهلاً للإفادة في كل الأبواب. فالوعي بالواقع يتجزأ، وتخصصات الفهم تتنوع، والتحري في هذا الباب واجب شرعي وعقلي.
3. التكامل لا التبعيض: إنَّ الوعي الحق هو الذي يجمع بين فقه النص وفقه الواقع، فمن عزل أحدهما عن الآخر فقد ضل سواء السبيل.
4. الحذر من المتعالمين: إنَّ الخطر الذي يمثله أدعياء الوعي لا يقل ضراوة عن خطر الجهل الصريح، بل ربما كان أشد؛ لأن الجهل الصريح داء معروف يمكن علاجه، أما الوعي الموهوم فهو سُمٌّ مغلف بالعسل.

إنَّ التبعيض الواعي في التلقي، بحيث نعرف من أين نأخذ كل فنٍّ وكل فهم، هو عين الحكمة، وهو المسلك الذي يحمي العقل من الاختطاف والقلب من الانحراف.

الوعي أمانة.. والتوعية مسؤولية

في ختام هذا البيان، يجب أن نستشعر أنَّ الوعي ليس مجرد معلومة تُضاف إلى الذهن، بل هو مسؤولية أمام الله وأمام الأمة. إنَّ التوعية أمانة ثقيلة في عنق كل من تصدر للحديث باسم الإصلاح، فإما أن يؤديها بحقها وإما أن يكون قد غشَّ أمته.

إنَّ التعالم شرٌّ مستطير، والتصدّر بغير اكتمال الأهلية والنضج هو نوع من الخيانة، حتى وإن كانت النوايا حسنة والمقاصد صالحة؛ ذلك أنَّ فساد الفعل لا يشفع له صلاح النية، والضرر المترتب على أنصاف الواعين لا يجبره حسن قصدهم. إنَّ الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى وعيٍ شامل، وعميق، ومحيط، يجمع بين نور الوحي وبصيرة الواقع، لتستقيم الحركة، وتؤتي الجهود ثمارها، ويتحقق الإصلاح المنشود على بصيرة ورشد. والله هو الهادي إلى سواء السبيل، وهو الموفق لكل خير.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *