# غثاء السيل: تشخيص الداء ووصف الدواء لواقع الأمة الإسلامية
مقدمة: مشهد كاشف لواقع أليم
تمر الأمة الإسلامية في عصورها المتأخرة بمنعطفات تاريخية خطيرة، حيث يرى الرائي تكالب القوى العالمية وتداعي القوى الكبرى على مقدرات هذه الأمة وثرواتها، بل وعلى عقيدتها وهويتها. إن هذا المشهد الذي نعيشه اليوم ليس وليد الصدفة، وليس مجرد تقلبات سياسية عابرة، بل هو تجسيد دقيق لنبوءات نبوية حذرت من هذا الوقع المرير، وحددت الداء بدقة متناهية، ورسمت معالم الدواء في وضوح لا لبس فيه. إن الوقوف على أسباب الضعف والهوان ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة شرعية وواقعية لكل من يرجو لهذه الأمة رفعة وعزاً.
النبوءة النبوية: تكالب الأمم وقصعة المستضعفين
لقد رسم لنا النبي -صلى الله عليه وسلم- صورة بيانية عجيبة تصور حال الأمة حين تبتعد عن منهج ربها، فقال: «يُوشِكُ الأممُ أن تداعَى عليكم كما تداعَى الأكَلةُ إلى قصعتِها». تأمل في هذا التعبير النبوي: “تداعى”، أي يتسارعون ويتنادون ويجتمعون من كل حدب وصوب، ليس لخصومة شريفة، بل كما يجتمع الجوعى حول مائدة شهية (قصعة) لا حامي لها.
هذا التشبيه يصور الأمة الإسلامية في حالة ضعفها وكأنها لقمة سائغة، يتقاسمها الأعداء فيما بينهم بكل سهولة ويسر، دون خوف من ردة فعل أو مهابة من قوة. إن الأعداء اليوم، باختلاف مشاربهم وأيديولوجياتهم، يتفقون على استباحة بيضة المسلمين، وتفتيت وحدتهم، ونهب خيراتهم، تماماً كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها.
معضلة الكثرة بلا بركة: حقيقة غثاء السيل
حين سمع الصحابة -رضوان الله عليهم- هذا الخبر، تعجبوا، فالمسلمون في عهد النبوة كانوا قلة ولكنهم كانوا أعزة، فسأل قائلهم: «ومن قلَّةٍ نحن يومئذٍ ؟». فجاء الرد النبوي الصادم الذي يضع الإصبع على الجرح: «بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيلِ».
إن المشكلة إذن ليست في العدد، فنحن اليوم نتجاوز المليار ونصف المليار مسلم، نملك الثروات، ونشغل المواقع الاستراتيجية، ولدينا الطاقات البشرية الهائلة. ولكنها كثرة كغثاء السيل؛ ذلك الزبد الذي يعلو الماء، لا وزن له، ولا قيمة، تذره الرياح وتتقاذفه الأمواج، لا يثبت أمام تيار، ولا يغير في مجرى النهر شيئاً. إنها كثرة تفتقد إلى النوعية، وتفتقد إلى المنهج، وتفتقد إلى الروح التي تحرك الأجساد نحو الهدف السامي.
الوهن: الفيروس الذي نخر في جسد الأمة
لماذا فقدت هذه الكثرة هيبتها؟ ولماذا نزع الله المهابة من صدور الأعداء؟ يخبرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- بالسبب الجوهري: «ولينزِعنَّ اللهُ من صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذِفَنَّ اللهُ في قلوبِكم الوهْنَ». وعندما استفسر الصحابة عن ماهية هذا “الوهن”، قال: «حُبُّ الدُّنيا وكراهيةُ الموتِ».
هذا هو التشخيص النفسي والقلبي الدقيق. حين تتعلق القلوب بالدنيا وزينتها، وتصبح هي الغاية والمنتهى، وحين يسيطر الخوف من الموت والحرص على الحياة -أي حياة- على النفوس، فإن الأمة تفقد ركيزة عزها. إن حب الدنيا يجعل الإنسان يداهن في دينه، ويقبل بالدنية في عزه، ويخشى على مصالحه الضيقة أكثر من خشيته على ضياع مقدساته. وكراهية الموت في سبيل الله تعني الشلل في مواجهة الطغيان، وتعني الرضا بالذل مقابل البقاء.
صور الانتكاسة: الانشغال بالدنيا وترك ذروة سنام الإسلام
في حديث آخر، يفصل النبي -صلى الله عليه وسلم- مظاهر هذا الانغماس في الدنيا وآثاره المدمرة، فيقول: «إذا تبايعتُم بالعينةِ وأخذتم أذنابَ البقرِ، ورضيتُم بالزَّرعِ وترَكتمُ الجِهادَ سلَّطَ اللَّهُ عليْكم ذلاًّ لاَ ينزعُهُ حتَّى ترجعوا إلى دينِكُم».
هنا نرى صوراً من الانشغال المذموم:
1. التحايل الربوي (بيع العينة): وهو إشارة إلى فساد المعاملات المالية والبحث عن الربح السريع بطرق ملتوية بعيدة عن شرع الله.
2. الاستغراق في المعاش (أذناب البقر والزرع): ليس المقصود ذم العمل أو الزراعة لذاتها، بل المقصود الرضا بها كبديل عن الواجبات العظمى، والانشغال بالحرث والنسل عن نصرة الدين وإعلاء كلمة الله.
3. ترك الجهاد: وهو النتيجة الطبيعية للغرق في الماديات، حيث يصبح الفرد والمجتمع غير مستعدين للتضحية بالمال والنفس، مما يؤدي إلى تسليط الذل.
المخرج الوحيد: العودة إلى الدين بمفهومه الشامل
إن الله سبحانه وتعالى عدل لا يظلم، وقد جعل لكل شيء سبباً. فكما كان الابتعاد عن الدين سبباً في الذل، فإن العودة إليه هي السبيل الوحيد للعز. يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «حتى ترجعوا إلى دينكم».
والرجوع إلى الدين ليس مجرد كلمات تقال، أو شعارات ترفع، بل هو رجوع بترتيبه وموازناته الصحيحة. إنه امتثال لشرائع الله التي من أظهرها وأعظمها الجهاد في سبيل الله بمفهومه الواسع؛ جهاد النفس، وجهاد الكلمة، وجهاد المال، والجهاد في الميدان حين تقتضي الضرورة.
إن محاولة البحث عن حلول خارج إطار هذا الدين، أو الركض خلف سراب القوانين الدولية التي لا تحمي إلا القوي، أو الاستغاثة بمن هم سبب الداء، كل ذلك هو مضيعة للأوقات والجهود، وتفريغ للنفوس من طاقاتها من غير فائدة إلا التنفيس المؤقت الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.
خطوات عملية نحو التغيير المنشود
إن الطريق نحو العزة يبدأ من الفرد لينتقل إلى المجتمع، ومن أراد أن يكون جزءاً من جيل النصر والتمكين، فعليه بالآتي:
- التوبة الصادقة: مراجعة النفس والرجوع عن الغفلة والذنوب التي هي سبب كل بلاء.
- الارتباط بالقرآن: ليس تلاوة فحسب، بل تدبراً وعملاً ومنهج حياة، فالقرآن هو الذي صنع جيل الصحابة الفريد.
- توطين النفس على التضحية: كسر قيد “الوهن” من خلال تعويد النفس على البذل والعطاء والزهد في الدنيا الفانية.
- الاستعداد والإعداد: إعداد القوة بمفهومها الشامل (الإيماني، والعلمي، والمادي) ليكون المسلم رقماً صعباً في معادلة الوجود.
الخاتمة: بشائر الفتح وقرب الوعد
إن التاريخ يخبرنا أن هذه الأمة قد تمرض ولكنها لا تموت، وقد تضعف ولكنها لا تنحني للأبد. إن فتح القدس القريب -بإذن الله- ليس مجرد حلم، بل هو وعد نبوي ويقين إيماني، ولكن هذا الفتح له ثمن، ولن يفوز به إلا من قرّب القرابين واستعد لها منذ الآن.
إن شهر رمضان المبارك يطل علينا ليكون فرصة ذهبية لتحصيل البركة، وفوزاً بالرحمة، وتقوية للإيمان. إنه مدرسة الصبر والتضحية والانتصار على شهوات النفس. فمن انتصر على نفسه في رمضان، كان أقدر على الانتصار على عدوه في ميادين العزة. لنجعل من هذا الوقت نقطة انطلاق حقيقية نحو الرجوع إلى الدين، ولننفض عن كواهلنا غبار الوهن، عسى الله أن يبدل ذلنا عزاً، وضعفنا قوة، ويجعلنا من جند الله الغالبين.

اترك تعليقاً