أما بعد، فإن شأنَ الأمم في اضطراب أحوالها، وصراعِ أصحاب السلطان مع الرعية، لَمن أعجبِ ما يُسطّر في دواوين السياسة، وأبعدِه أثراً في مآلات الدول. فها نحن اليوم نرى بلاد فارس وقد اشتعلت في أرجائها نيرانُ الاحتجاج، ليس بقوة الساعد فحسب، بل بسلطان الكلمة العابرة للقارات، حيث أطلَّ الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” من نافذة العالم الرقمي، ليلقي بكلماتٍ كأنها النبال، واعداً “الوطنيين الإيرانيين” بأن النصر قاب قوسين أو أدنى، وأن “المساعدة قادمة” لا محالة.
إن هذا المشهد لا يقف عند حدود التغريد والتدوين، بل هو مخاضٌ عسير تعيشه المنطقة، تتقاطع فيه أسلاك الإنترنت المقطوعة بخرائط القوى الدولية، وتصطدم فيه طموحات الشعوب بصرامة الأنظمة، في صراعٍ باتت فيه “البتات” و”الترددات” أمضى سلاحاً من السيوف والمهندات.
الإنترنت في ميزان الحقوق.. حين يغدو الصمتُ قيداً
واعلم -أرشدك الله- أن حجب المعلومة عن طالبها، وقطعَ سبيل الاتصال بين الناس، ليس مجرد إجراءٍ فني، بل هو عند ذوي الألباب انتهاكٌ لجوهرِ الحرية. فقد تكرر السؤال في محافل الحقوق: هل يُعدُّ قطع الإنترنت جوراً؟ والحقُّ ما نطق به “العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية”، الذي وقّعت عليه إيران بيمينها، إذ ينصُّ على أن حرية التعبير والتجمع حقٌّ مشاع، لا يجوز حصرُه أو خنقُه.
- تقول الأمم المتحدة بلسان حالها: إن القطع الشامل للشبكة يفتقر إلى “الشرعية والضرورة” التي يوجبها القانون الدولي.
- ويرى “جيريمي لورانس” أن هذا التعتيم لا يحجب الحقيقة فحسب، بل يغلُّ أيدي الذين يوثقون المظالم، ويجعل من القتلِ خبراً مكتوماً.
- إن انقطاع الشبكة لخمسة أيام متواصلة، غيَّب ملامح الواقع، وجعل من الصعب إحصاء عدد الذين قضوا في هذه الفتنة الكبرى.
“ستارلينك” والحدود.. صراعُ الإشارة والرقابة
ومن عجائب هذا الزمان، أن تتسلل “الأطباقُ اللاقطة” عبر الجبال والوديان كأنها بضاعةٌ مهربة، فقد أعلنت استخبارات طهران عن ضبط شحناتٍ من معدات “ستارلينك” الفضائية، زاعمةً أنها أدواتٌ للتجسس والتخريب. بيد أن الواقع ينبئ بأن هذه الأجهزة -التي يملكها إيلون ماسك- غدت ملاذاً للإيرانيين لكسر طوق العزلة، رغم ما تبذله السلطات من “تشويش” لتعطيل الإشارات السماوية.
وقد أفاضت التقارير في وصف ما تم ضبطه، وكأننا أمام ترسانةٍ تكنولوجية: مئات المودمات، وأجهزة تقوية الإشارة، وهواتف من الجيل الجديد. إنها حربٌ بين سماءٍ مفتوحة وأرضٍ موصدة، حيث يسعى كل طرفٍ لامتلاك “ناصية الخبر” والتحكم في تدفقِ المعنى.
واشنطن وموسكو.. مبارزةٌ فوق رقعةِ الشطرنج الإيرانية
وفيما كان ترامب يحثُّ المحتجين على “السيطرة على المؤسسات” وحفظ أسماء “المعتدين” ليدفعوا الثمن باهظاً، كانت “ماريا زاخاروفا” من وراء البحار تزمجرُ برفضها المطلق لأي ضربة عسكرية أمريكية. لقد وصفت موسكو الوعيد الأمريكي بأنه “ابتزازٌ فظٌّ”، محذرةً من أن تكرار سيناريوهات العام الماضي سيؤدي إلى “عواقب كارثية” تحرق الأخضر واليابس في الشرق الأوسط.
ويرى مراقبون أن الموقف الروسي يميلُ إلى التهدئة، إذ زعمت زاخاروفا أن الاحتجاجات “المغذّاة اصطناعياً” آخذةٌ في التراجع، بينما يرى البيت الأبيض في هذه التحركات فرصةً لإعادة صياغة التوازنات، مستخدماً “الرسوم الجمركية” والضغط الاقتصادي سلاحاً لإخضاعِ الشركاء والخصوم على حدٍ سواء.
أوروبا تندد.. وتل أبيب تترقبُ “ساعة الصفر”
أما في القارة العجوز، فقد تعالت الأصواتُ المنكرةُ لـ”عنف الدولة”؛ فمن “ماكرون” الذي وقف في صف الحريات، إلى “إيفيت كوبر” التي وصفت القمع بالمروع، وصولاً إلى استدعاء السفير الإيراني في بروكسل. إن انسحاب الطاقم الدبلوماسي الفرنسي من طهران ليس إلا إشارةً لقرب انقطاعِ حبال الودّ، وتصعيدٍ قد لا تحمد عقباه.
وفي سياقٍ ليس ببعيد، انزوى الوزراء في إسرائيل داخل “المجلس المصغر” في اجتماعٍ طارئ لم يسبق له ميعاد، لمناقشة سيناريوهات الدفاع والهجوم. إنهم يرقبون المشهد بحذرٍ شديد، فالقرارُ هذه المرة -كما يقولون- “بيد الأمريكيين”، وهم على أهبة الاستعداد لكل طارئ، سواء كان اتفاقاً سياسياً مفاجئاً أو مواجهةً عسكريةً طاحنة.
حصادُ الدم.. حين تضيع الحقيقة بين الأرقام
ويبقى السؤالُ الأوجع: كم نفساً زُهقت في هذا المعترك؟ تتباين الرواياتُ بتباينِ الأهواء، فبينما تتحدث مصادر “بي بي سي” و”رويترز” عن قتلى بالألاف، تشير تقاريرُ أخرى إلى مئاتِ المعتقلين. إن غياب الإنترنت وصعوبة الوصول إلى الميدان جعلا من “الرقم” لغزاً محيراً.
- مسؤول أمني إيراني يقدّر الضحايا بنحو 2000، محملاً “الإرهابيين” المسؤولية.
- منظمات حقوقية تتحدث عن 650 قتيلاً وإصاباتٍ لا تُحصى.
- الأمم المتحدة تؤكد بـ”ثقة” مقتل المئات واعتقال الآلاف بناءً على مصادرها الميدانية.
وختاماً، فإننا أمام مشهدٍ تكتنفه الظنون وتتقاذفه المصالح الدولية؛ فهل تكون صرخةُ ترامب “المساعدة قادمة” هي طوق النجاة للمحتجين، أم أنها ستكون الوقود الذي يزيدُ النار اشتعالاً؟ وهل تنجحُ التكنولوجيا في كسرِ قيودِ الجغرافيا، أم أنَّ للواقعِ حساباتٍ أخرى لا تدركُها الأقمارُ الصناعية؟ إن غداً لناظره قريب، وللأيامِ في طياتها ما لا تدركُه الفراسة.
مصدر المعلومات: BBC Arabic


اترك تعليقاً