# فضل السحور وبركته: زاد الروح والبدن في رحاب الطاعة
الحمد لله الذي جعل في الصيام جنة، وفي السحور بركة، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الأطهار الميامين، الذين نقلوا لنا هدي النبوة في أدق تفاصيل العبادة، ليكون لنا فيها الأسوة الحسنة والمنهج القويم. أما بعد:
إن شهر رمضان المبارك هو موسم الطاعات، وميدان المسابقة نحو الجنات، ومن عظيم رحمة الله بعباده أن شرع لهم من السنن ما يعينهم على أداء فريضته بيسر وطمأنينة. ومن أسمى هذه السنن وأكثرها نفعاً سنة “السحور”؛ تلك الأكلة المباركة التي تسبق طلوع الفجر، والتي حث عليها النبي صلى الله عليه وسلم أمته، مرغباً في فضلها، ومبيناً لعظيم بركتها.
مفهوم السحور في اللغة والشرع
قبل الاستفاضة في فضل السحور وبركته، يجدر بنا أن نفهم دلالة هذا المصطلح في لغتنا العربية الجميلة وفي اصطلاحنا الشرعي. يفرق أهل العلم واللغة بين لفظين بتبديل حركة السين:
1. السُّحور (بضم السين): ويُقصد به الفعل نفسه، أي عملية تناول الطعام والشراب في وقت السحر بنية التقوي على الصيام.
2. السَّحور (بفتح السين): ويُقصد به المادة التي يُتسحر بها، أي الطعام والشراب الذي يوضع على المائدة في ذلك الوقت.
أما وقت السحر، فهو ذلك الوقت المبارك الذي يسبق طلوع الفجر الصادق، حيث يتنزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله، فيستجيب للداعين ويغفر للمستغفرين. ومن هنا ندرك أن السحور ليس مجرد وجبة غذائية، بل هو فعل يقع في زمان شريف، ويحمل أبعاداً تعبدية عميقة.
بركة السحور: نماء في الدنيا وأجر في الآخرة
لقد لخص النبي صلى الله عليه وسلم أهمية هذه الوجبة في جملة بليغة جامعة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تسحَّروا؛ فإن في السَّحور بركةً» (أخرجه البخاري ومسلم).
إن كلمة “البركة” في الحديث النبوي كلمة واسعة الدلالة، فهي تشمل الزيادة، والنماء، والخير الكثير، والاستمرارية. وبركة السحور تتجلى في مظهرين أساسيين:
أولاً: البركة المعنوية (الروحية)
وتتمثل في اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء بسنته. فالمسلم حين يقوم للسحور، فإنه يفعل ذلك طاعةً لأمر نبيه، وهذا الاتباع هو عين البركة، إذ يترتب عليه نيل محبة الله عز وجل وعظيم الثواب. كما أن السحور يعين الصائم على استحضار نية الصيام، ويجعله في حالة من الذكر واليقظة في وقت الغفلة.
ثانياً: البركة المادية (البدنية)
وتتجلى في القوة التي يمنحها السحور للبدن. فالطعام والشراب في هذا الوقت يمدان الجسم بالطاقة اللازمة لتحمل مشاق الصيام، ويخففان من حدة الجوع والعطش، مما يحمي الصائم من الخمول والكسل، ويجعله قادراً على أداء واجباته الدنيوية وعباداته الدينية بنشاط وحيوية.
حكم السحور ومشروعيته
أجمع علماء الأمة قاطبة على استحباب السحور، ولم يوجبه أحد منهم، فهو سنة مؤكدة وفضيلة مرغب فيها. وقد نقل الإجماع على مشروعيته واستحبابه كبار أهل العلم مثل ابن المنذر، وابن قدامة، والإمام النووي.
ويستحب السحور لكل صائم، سواء كان صومه فرضاً في رمضان، أو قضاءً، أو صوم تطوع. فالنص النبوي جاء عاماً ليشمل كل أحوال الصيام، طلباً للبركة واستعانة على الطاعة.
وقت السحور: السنة في التأخير
من كمال هدي النبي صلى الله عليه وسلم في السحور هو “تأخيره” إلى قبيل الفجر. فليس المقصود بالسحور تناول الطعام في منتصف الليل ثم النوم، بل السنة أن يكون قريباً من وقت الإمساك.
ويدل على ذلك حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه حين قال: «أنهم تسحروا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قاموا إلى الصلاة، قلت: كم بينهما؟ قال: قدر خمسين أو ستين؛ يعني: آيةً» (صحيح البخاري).
هذا الحديث العظيم يرسم لنا ملامح الجدول الزمني النبوي؛ فالفارق بين الفراغ من السحور وبين الشروع في صلاة الفجر هو مقدار قراءة خمسين آية بتؤدة وترتيل. وهذا التوقيت يحقق فوائد جمة، منها:
1. تقليل فترة الجوع في نهار الصيام.
2. ضمان استيقاظ الصائم لصلاة الفجر في وقتها ومع الجماعة.
3. استغلال وقت السحر في الاستغفار والدعاء.
كما يظهر في هذا الحديث جانب تربوي واجتماعي، وهو حسن عشرة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وتواضعه الجم، حيث كان يشاركهم طعامهم ويجالسهم في أوقاتهم الخاصة، مما يوطد أواصر المحبة والألفة.
بماذا يكون السحور؟
لا يشترط في السحور كثرة الطعام وتنوع الأصناف، بل يتحقق بحد أدنى من المأكول أو المشروب. وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أفضل ما يتسحر به المؤمن، فقال: «نعم سحور المؤمن التمر» (رواه ابن حبان بإسناد صحيح). فالتمر منجم من الفوائد الصحية، وهو يمد الجسم بسكريات طبيعية بطيئة الامتصاص تساعد على الصمود طوال النهار.
وإذا لم يجد الصائم تمراً، أو لم يرغب في أكل طعام ثقيل، فليحرص ولو على جرعة ماء. فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تسحروا، ولو بجرعة ماء» (إسناده حسن).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السحور كله بركة؛ فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعةً من ماء، فإن الله عز وجل وملائكته يصلون على المتسحرين» (صحيح الترغيب).
تأمل يا رعاك الله في هذا الفضل العظيم! مجرد جرعة ماء في وقت السحر تجعل الله وملائكته يصلون عليك. وصلاة الله على عباده هي ثناؤه عليهم في الملأ الأعلى ورحمته بهم، وصلاة الملائكة هي استغفارهم ودعاؤهم للمؤمنين.
الحكمة والغاية من مشروعية السحور
إن المتأمل في نصوص الوحي يجد أن للسحور حكماً بالغة ومقاصد جليلة، يمكن إجمالها فيما يلي:
1. الاقتداء والاتباع: هو المقصد الأسمى، فالمسلم يسعى دائماً لأن يكون قريباً من هدي نبيه صلى الله عليه وسلم في قوله وفعله.
2. مخالفة أهل الكتاب: تميزت أمة الإسلام بخصائص تفردت بها عن غيرها، ومن ذلك السحور. قال صلى الله عليه وسلم: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، أكلة السحر» (رواه مسلم). ففي السحور إعلان لتميز الهوية الإسلامية وخصوصية العبادة.
3. التقوي على العبادة: الصيام عبادة بدنية شاقة، والسحور هو الوقود الذي يعين الصائم على أداء الصلاة والذكر والعمل دون إجهاد مفرط قد يؤدي به إلى ترك العمل أو التقصير في حق العبادة.
4. تنشيط الجهاز الهضمي: يذكر أهل الاختصاص أن تناول وجبة خفيفة في السحر يساعد على تنشيط حركة الأمعاء ويمنع الكسل المعوي الذي قد يسببه الصيام الطويل.
5. الوقاية من الأمراض: يساعد السحور في الحفاظ على مستوى السكر في الدم، ويحمي الجسد من الجفاف والصداع والإعياء الشديد الذي قد يصيب الصائم في الأيام الحارة.
6. إدراك وقت الاستغفار: القيام للسحور يضمن للصائم أن يكون مستيقظاً في وقت السحر، وهو الوقت الذي قال الله فيه: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}.
نصائح لصائم في وقت السحور
لتحصيل كمال الفضل والبركة في السحور، ينبغي للصائم مراعاة الآتي:
- النية: استشعر أنك تأكل وتشرب تعبداً لله واقتداءً بسنة نبيه.
- الاعتدال: لا تسرف في الطعام والشراب في وقت السحور بحيث يثقلك عن صلاة الفجر أو يسبب لك التخمة.
- الذكر والدعاء: اجعل لسانك رطباً بذكر الله في هذا الوقت، واسأل الله من فضله العظيم.
- التأخير: احرص على أن يكون سحورك في الثلث الأخير من الليل وقريباً من أذان الفجر.
ختاماً، إن السحور ليس مجرد عادة رمضانية، بل هو عبادة جليلة تحمل في طياتها الرحمة والبركة واليسر. هو جسر يربط بين حاجة الجسد للطعام وحاجة الروح للصلة بخالقها. فما أكرم الله الذي يثيبنا على طعامنا وشرابنا إذا كان في سبيله وعلى سنة نبيه!
نسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام، وأن يجعلنا من المتبعين لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يبارك لنا في سحورنا وفطورنا، ويجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهه الكريم. والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً