# فضل تفطير الصائمين وإعانة المحتاجين: بوابتك للأجر العظيم في رمضان
إنَّ من أعظم نعم الله على عبده المؤمن أن يبلغه شهر رمضان المبارك، شهر الرحمات والنفحات، الذي تفتح فيه أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب النيران. وفي ظلال هذا الشهر الكريم، تتجلى صور التكافل الاجتماعي في أبهى حللها، حيث يتسابق المؤمنون لنيل الأجور المضاعفة عبر عبادةٍ جليلة، ألا وهي تفطير الصائمين وإعانة المحتاجين على مؤن هذا الشهر الفضيل.
فضل تفطير الصائمين: أجرٌ مضاعف بلا عناء
لقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الطاعة العظيمة، وبيّن أن ثوابها يفوق الوصف، فهي وسيلة لنيل مثل أجر الصائم دون أن ينقص ذلك من أجره شيئاً. فعن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من فطَّر صائمًا فله مثلُ أجره، من غير أن ينقص من أجر الصائم شيءٌ، ومن جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخير فقد غزا».
تأمل أيها المؤمن في هذا الكرم الإلهي؛ فبتقديمك وجبة إفطار واحدة، يكتب الله لك أجر صيام يوم كامل، فكيف بمن يفطر صائماً طوال الشهر؟ وكيف بمن يفطر عدداً من الصائمين؟ إنها تجارة رابحة مع الله لا تعرف الخسران. وقد زاد الطبراني في روايته عن عائشة رضي الله عنها قوله صلى الله عليه وسلم: «وما عمل الصائمُ من أعمال البرِّ إلا كان لصاحب الطعام، ما دامت قوةُ الطعام فيه». وهذا يشير إلى بركة الطعام الذي يقدمه المحسن، فكل تسبيحة وذكر وقراءة قرآن يقوم بها الصائم بفضل تلك القوة المستمدة من طعامك، يكتب لك فيها نصيب من الأجر.
رمضان.. شهر المواساة والتراحم
إنَّ رمضان ليس مجرد كفٍّ عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة لتهذيب النفوس على البذل والعطاء. وفي الحديث المشهور الذي رواه سلمان رضي الله عنه في فضل رمضان، وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «وهو شهرُ المواساة، وشهرٌ يُزادُ فيه رزق المؤمن، من فَطَّر فيه صائمًا كان مغفرةً لذنُوبِه، وعتقًا لرقبته من النار، وكان له مثل أجره، من غير أن يُنقصَ من أجرِ الصائِم شيءٌ».
كلمة “المواساة” هنا تحمل معانٍ عميقة؛ فهي تعني أن تشعر بألم أخيك، وأن تسد حاجته، وأن تجبر خاطره. إنها دعوة لأن لا يستأثر الغني بالنعم وحده، بل يشرك معه الفقير والمسكين ليعيش الجميع فرحة الإفطار وفرحة العيد. إن إطعام الطعام في هذا الشهر هو سبيلٌ لمغفرة الذنوب والنجاة من النار، وهي غاية كل مؤمن يرجو ما عند الله.
رحمة الله بالفقراء: القليل يثمر الكثير
قد يتوهم البعض أن فضل تفطير الصائمين محصورٌ في الأغنياء أو من يملكون سعة من المال، ولكن الشريعة الإسلامية جاءت لتشمل الجميع بفضلها. فعندما قال الصحابة: “يا رسول الله، ليس كلُّنا يجد ما يُفطِّرُ الصائم”، جاء الرد النبوي ليرفع الحرج ويفتح باب الأمل لكل راغب في الخير. قال صلى الله عليه وسلم: «يعطي الله هذا الثواب، لمن فطَّر صائمًا، على مذقة لبن، أو تمرةٍ، أو شربة ماءٍ، ومن سقى فيه صائمًا؛ سقاه الله من حوضي شربةً لا يظمأُ بعدها، حتى يدخلَ الجنة».
إنَّ الله تعالى لا ينظر إلى كمية العطاء بقدر ما ينظر إلى إخلاص النية. فتمرة واحدة تقدمها بصدق قد تكون سبباً في عتقك من النار. ومذقة لبن (أي القليل منه المخلوط بالماء) قد ترفعك درجات في الجنة. وهذا يحفز كل مسلم، مهما كان دخله بسيطاً، أن يساهم في هذا الفضل، ولو بتقديم الماء للمصلين في المساجد أو توزيع التمرات عند أذان المغرب.
هدي السلف الصالح في الاستعداد لرمضان
لم يكن السلف الصالح رضي الله عنهم ينتظرون دخول رمضان ليبدأوا في الإحسان، بل كان شهر شعبان بالنسبة لهم هو المضمار الذي يستعدون فيه للسباق الكبير. فقد نقل الحافظ ابن رجب والحافظ ابن حجر رحمهما الله تعالى عن حال المسلمين الأوائل: “كان المسلمون إذا دخل شعبان، انكبوا على المصاحف فقرؤها، وأخرجوا زكاة أموالهم؛ تقوية للضعيف والمسكين على صيام رمضان”.
هذا الفقه العميق يوضح لنا أن إعانة الفقير قبل دخول الشهر هي من أعظم القربات؛ لأنها تفرغه للعبادة وتزيل عنه همّ تدبير القوت، فيدخل رمضان بقلب مقبل على الله، لا تشغله لقمة العيش عن صلاة التراويح أو تلاوة القرآن. إن إخراج الزكاة والصدقات في شعبان هو إعدادٌ للمؤمنين وتجهيزٌ لجيش الطائعين ليقووا على طاعة ربهم.
الدال على الخير كفاعله: مضاعفة الأجور
من أبواب الإحسان أيضاً أن تكون دليلاً للناس على طرق الخير. فالمعين لصاحب الطعام، أو الساعي في جمع التبرعات لإفطار الصائمين، أو الذي يرشد المحسنين إلى العائلات المتعففة، له نصيب وافر من الأجر. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدال على الخير كفاعله».
فإذا كنت لا تملك المال لتفطير الصائمين، فربما تملك الكلمة الطيبة، أو القدرة على التنظيم، أو المعرفة بالفقراء. وبذلك، تكون شريكاً في الأجر لكل من أطعم وأطعم، ولكل من صام وقوي على الصيام بفضل سعيك. إنها سلسلة من الحسنات لا تنتهي، يشد بعضها بعضاً، لتبني مجتمعاً متراحماً متحاباً.
ثمرات إعانة الغير في رمضان
إن لإعانة الصائمين وتفطيرهم ثمرات عاجلة وآجلة، منها:
1. تحقيق التقوى: فالبذل هو من أخص صفات المتقين.
2. تطهير النفس: الصدقة تطهر النفس من الشح والبخل.
3. نشر المحبة: تقديم الطعام يزيل الشحناء من القلوب ويزرع المودة بين المسلمين.
4. البركة في الرزق: فما نقص مال من صدقة، بل يبارك الله للمنفق في ماله وأهله.
5. استجابة الدعاء: فللصائم دعوة لا ترد عند فطره، وغالباً ما يدعو لمن فطره بالخير والبركة.
خاتمة وتذكرة
أيها المؤمن، إنَّ الأيام تمضي سريعاً، ورمضان ضيف عزيز يمر كطيف خيال، فاجعل لنفسك فيه أثراً لا يمحى. بادر بتفطير صائم، وابحث عن مسكين تعينه، واقتدِ بسلفك الصالح في جعل مالك وقاءً لآخرتك. تذكر أن اللقمة التي تضعها في جوع صائم قد تكون هي المنجية لك يوم القيامة، وأن شربة الماء التي تسقيها لظمآن قد ترويك من حوض النبي صلى الله عليه وسلم شربة لا تظمأ بعدها أبداً.
اللهم بلغنا رمضان، وأعنا فيه على الصيام والقيام وصالح الأعمال، واجعلنا من الذين يفطرون الصائمين ابتغاء وجهك الكريم، وتقبل منا إنك أنت السميع العليم.
—
*المصادر:*
- رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني.
- أخرجه ابن خزيمة في صحيحه.
- رواه البخاري ومسلم في فضل تجهيز الغازي.

اترك تعليقاً