فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة: كنوز نبوية ووعيد للمنافقين

# فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة: تجارة رابحة مع الله

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:

إنَّ الصلاة هي عماد الدين، وقرة عين المحبين، ومعراج المؤمنين إلى رب العالمين. وإذا كانت الصلاة في عمومها من أعظم القربات، فإنَّ لصلاتي العشاء والصبح في جماعة شأناً عظيماً، ومكانةً منيفة، خصَّها الشارع الحكيم بفضائل جليلة، وجعلها ميزانًا للإيمان، وفرقانًا بين الصادقين والمنافقين. في هذا المقال، نُبحر في رحاب النصوص الشرعية لنستجلي فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة، ونقف على الدروس والعبر المستفادة من هدي النبي ﷺ وسلفنا الصالح.

أولاً: شهادة الملائكة وقرآن الفجر

يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78]. إنَّ هذا النداء الرباني يوجه الأنظار إلى وقتٍ مبارك، تفتح فيه أبواب السماء، وتتنزل فيه الرحمات.

وقد توقف المفسرون طويلاً عند قوله تعالى {مَشْهُودًا}، فبينوا أنَّ المراد بـ “قرآن الفجر” هو صلاة الصبح؛ حيث يُشرع فيها إطالة القراءة. ومعنى كونها مشهودة أنها تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار؛ حيث يجتمعون في هذا الوقت لتبديل النوبات، فيرفعون إلى الله تقريرهم عن عباده وهم يصلون. فما أعظمه من شرف أن يُرفع اسمك في ديوان المصلين في تلك الساعة المباركة التي يغفل عنها الكثيرون.

ثانياً: أجر قيام الليل كله في ركعات معدودة

من أعظم ما ورد في فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة، أنَّ الله عز وجل جعل أداءهما في المسجد مع المسلمين معادلاً لقيام الليل كله. تأمل معي هذا الكرم الرباني؛ فبينما ينام الناس على فرشهم، يخرج المؤمن ليركع ركعات يسيرة، فيكتب الله له أجر من قام الليل يتهجد ويصلي.

فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلى الليل كله».

وفي رواية أخرى عند أبي داود والترمذي بلفظ يوضح التفصيل: «مَن صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة». (صحيح أبي داود: 519، صحيح الجامع: 6342).

إن هذا الحديث يفتح باب الأمل لكل من يشق عليه قيام الليل الطويل، أو يغلبه النوم، بأن يدرك هذا الأجر العظيم بمجرد المحافظة على صلاة الجماعة في هذين الوقتين. وقد استنبط الإمام ابن خزيمة رحمه الله من هذه النصوص تفاضلاً دقيقاً، حيث قال في صحيحه: “باب فضل صلاة العشاء والفجر في جماعة، وبيان أن صلاة الفجر في الجماعة أفضل من صلاة العشاء في الجماعة، وأن فضلها في الجماعة ضعف فضل صلاة العشاء في الجماعة”.

ثالثاً: ميزان الإيمان والتحذير من النفاق

لقد جعل النبي ﷺ المحافظة على صلاة العشاء والفجر في جماعة معياراً للصدق مع الله، والتخلف عنهما علامةً من علامات النفاق العملي. فالمنافق يبحث عن مراءاة الناس، وفي وقت العشاء والفجر يكون الظلام دامساً، والناس نيام، فلا يراه أحد، لذا يثقل عليه القيام لهما.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممتُ أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا، فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حُزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرِّق عليهم بيوتهم بالنار».

وفي رواية أخرى عند مسلم، يظهر شدة غضب النبي ﷺ على المتخلفين لدرجة أنه قال: «ولو علم أحدهم أنه يجد عظمًا ثمينًا لشهدها»؛ أي صلاة العشاء. وهذا توصيف دقيق لحال من يقدم الدنيا الفانية على الآخرة الباقية.

وتؤكد أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هذا المعنى بقولها عن النبي ﷺ: «لو يعلم الناس ما في صلاة العشاء وصلاة الفجر، لأتوهما ولو حبوًا». والحبو هو الزحف على الأيدي والركب، مما يدل على أن ما فيهما من الثواب يفوق الوصف، ولو أدرك الناس حقيقته لضحوا بكل سبل الراحة للوصول إلى المسجد.

رابعاً: اهتمام السلف الصالح بصلاة الفجر والعشاء

لم يكن الصحابة والتابعون ينظرون إلى صلاة الجماعة كنافلة، بل كانت حياتهم تدور حول المسجد. ومن القصص المؤثرة في هذا الباب ما رواه الإمام مالك في الموطأ عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد سليمان بن أبي حثمة في صلاة الصبح، وأن عمر غدا إلى السوق، ومسكن سليمان بين المسجد والسوق، فمر على الشفاء أم سليمان، فقال لها: لم أر سليمان في صلاة الصبح؟ فقالت: إنه بات يصلي فغلبته عيناه، فقال عمر: «لأن أشهد صلاة الصبح في جماعة أحب إلى (من) أن أقوم ليلة».

تأمل فقه الفاروق عمر رضي الله عنه؛ فرغم أن سليمان كان يصلي الليل (قيام ليل)، إلا أن غلبة النوم التي أدت لتخلفه عن صلاة الصبح في جماعة كانت في نظر عمر خسارةً كبيرة. فالفرائض والواجبات الجماعية مقدمة على النوافل الفردية.

خامساً: الوصية النبوية الجامعة

لقد كان النبي ﷺ يوصي أصحابه دائماً بالتمسك بهاتين الصلاتين تحت كل الظروف. فها هو أُبيُّ بن كعب رضي الله عنه يروي لنا موقفاً نبوياً مهيباً، حيث صلى بهم النبي ﷺ الصبح يوماً، ثم تفقد المصلين بأسمائهم فقال: «أشاهدٌ فلان؟» قالوا: لا، قال: «أشاهدٌ فلان؟» قالوا: لا، ثم قال: «إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوًا على الركب».

وفي حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، نجد وصيةً تربط بين العبادة القلبية والعمل الظاهر، حيث قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اعبُد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، واعدد نفسك في الموتى، وإياك ودعوة المظلوم، فإنها تستجاب، ومَن استطاع منكم أن يشهد الصلاتين العشاء والصبح ولو حبوًا فليَفعل».

وفي رواية أخرى تؤكد ذات المعنى: «عليك بصلاة الغداة وصلاة العشاء فاشهدهما، فلو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوًا».

سادساً: الثمرات الروحية والاجتماعية

إنَّ لـ فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة آثاراً تمتد لتشمل حياة المسلم كلها:

1. البركة في الوقت: فمن بدأ يومه بصلاة الفجر في جماعة، فقد دخل في ذمة الله، ومن كان في ذمة الله فلا يضره شيء بإذن الله.
2. انشراح الصدر: صلاة الفجر تذهب العقد التي يعقدها الشيطان على قافية رأس العبد، فيصبح طيب النفس نشيطاً.
3. النور التام يوم القيامة: فالمشاؤون في الظلم إلى المساجد هم أصحاب النور التام يوم القيامة، جزاءً وفاقاً لخروجهم في ظلمة الليل.
4. الترابط الاجتماعي: لقاء المسلمين في المسجد في هذين الوقتين يقوي أواصر المحبة، ويتفقد الجار جاره، مما يبني مجتمعاً متماسكاً.

خاتمة

يا عبد الله، إنَّ النداء الذي يرتفع في جنح الليل “حي على الصلاة، حي على الفلاح” ليس مجرد كلمات، بل هو دعوة لنجاتك، وسبيل لرفعة درجاتك. إنَّ التخلف عن صلاة العشاء والصبح في جماعة هو حرمان عظيم لا يعوضه شيء من حطام الدنيا.

فتذكر دائماً قول النبي ﷺ: «لو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا». فهل ننتظر حتى نُحرم الصحة لنعرف قدر هذه النعمة؟ بادر أخي المسلم إلى بيوت الله، واجعل من صلاتي العشاء والفجر منطلقاً لثباتك، وعنواناً لصدقك، وجسراً تعبر به إلى جنات النعيم.

نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من المحافظين على صلواتنا، ومن المقبولين عنده، وأن يثبتنا على الحق حتى نلقاه وهو راضٍ عنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *