مقدمة: مشكاة النور في غياهب اليأس
حين تتكاثف سحب اليأس في سماء النفس، وتضيق بالمرء المسالك، تتسلل السلبية إلى الوجدان كدبيب النمل حتى توهن العزائم وتهلك الأرواح. وللخروج من هذا المضيق الموحش، لزاماً علينا أن نستصحب الحكمة القائلة: "لأن توقد شمعة خير من أن تلعن الظلام"؛ فالظلام لا يبدده الصراخ ولا يزيله العويل، بل يطرده النور وإن قلّ. إن الإيجابية في الإسلام ليست مجرد ترف فكري، بل هي نبراس يضيء الدرب، وحركة دائبة تستنهض الهمم، ودعوة صادقة للبناء مهما بلغت التحديات.
العمل: الامتثال لأمر الله وإتقان العبادة
أولى الشموع التي يوجب الشرع إيقادها هي شمعة العمل الدؤوب، استجابة لنداء الحق سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 105].
إن العمل في المنظور الإسلامي يتطلب موافقة القدرات العقلية والنفسية والجسدية، مع إخلاص النية لله عز وجل، فهو سبحانه المطلع على سرائر النفوس، والمميز بين نية طاهرة تبتغي رضوانه، وأخرى عليلة تطلب ثناء الخلق. ومن مقتضيات الإيمان أن يبلغ العمل غاية الجودة والإتقان، فالعرض غداً سيكون على ملك الملوك سبحانه وتعالى.
فلسفة الغرس: العطاء حتى الرمق الأخير
لقد رسم لنا النبي صلى الله عليه وسلم منهجاً فريداً في استمرارية العطاء، حيث لم يربط العمل بالنتائج الدنيوية القريبة فحسب، بل جعله قيمة مطلقة مرتبطة بعمر البشرية. قال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةً، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا”.
وفي هذا الحديث دروس بليغة:
- الحث على العمل: حتى في أصعب الظروف وأحلكها (قيام الساعة).
- نبل المقصد: الغرس قد لا يثمر إلا بعد أمد طويل، ومع ذلك يؤمر المسلم به، لأن الأجر مرتبط بالفعل والنية لا بمجرد الانتفاع الشخصي.
- البركة المتعدية: النبات يسبح بحمد الله سبحانه وتعالى، وهو مصفاة للجو، وملاذ للطير والبهائم، فكل انتفاع به يصب في ميزان الغارس، حتى وإن صار حطباً للنار.
ديمومة العطاء: من المحبرة إلى المقبرة
لا يعرف الإسلام مفهوماً للقعود أو الانقطاع عن النفع ما دام في الجسد نبض. فالموظف الذي يبلغ سن التقاعد يحمل في جعبته كنوزاً من الخبرة، ومن واجب الوفاء للدين والوطن أن ينقل هذا الإرث لجيل الشباب. إن التزام الإنسان بالعمل هو فريضة شرعية وضرورة بشرية تمنح لحياته معنى وقيمة.
وقد فقه سلفنا الصالح هذا المعنى، فعن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: رأى رجل مع أَبي مِحْبَرَة، فقال له: يا أَبا عبد الله، أَنت قد بلغت هذا المبلغ، وأَنت إِمامُ المسلمين. فقال: “مع المِحبرة إلى المَقْبرة”.
فالإمامة في الدين والريادة في الدنيا لا تنال إلا بالاستمرار في التحصيل والبذل، كلٌّ حسب مرحلته العمرية وما يناسبها. وقد ورد في كراهة الفراغ قوله: “إنِّي أَكْرَهُ الرَّجُلَ أَنْ أَرَاهُ يَمْشِي سَبَهْلَلًا أَيْ: لَا فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، وَلَا فِي أَمْرِ آخِرَةٍ”.
أدوار متكاملة: نصرة الضعفاء وإيجابية الصغار
إن دائرة الإيجابية في الإسلام تتسع لتشمل الجميع، حتى أولئك الذين قد يظن البعض أنهم خارج عجلة الإنتاج:
- الضعفاء: هم مدد المجتمع بدعائهم وإخلاصهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إِنَّمَا يَنْصُرُ اللهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا بِدَعْوَتِهِمْ، وَصَلَاتِهِمْ، وَإِخْلَاصِهِمْ”.
- الأطفال: ينشرون روح التفاؤل بفطرتهم النقية وابتسامتهم التي تزيح عن كاهل الآباء أعباء الحياة، وتربيتهم على رعاية مشاعر الآخرين تجعل منهم قرة عين حقيقية.
تعظيم القليل: شق التمرة وطلاقة الوجه
ليس في ميزان الله عمل صغير إذا اقترن بالنية الصادقة. لقد أرشدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى عدم الاستهانة بأي فعل خير، فقال: “لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ”.
إن النجاة من النار قد تكون بعمل يسير يراه المرء هيناً وهو عند الله عظيم، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: “اتَّقُوا النَّارَ وولو بِشِقِّ تَمْرَةٍ”. فالحسنة تنضم إلى الحسنة حتى يثقل الميزان، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7].
الخاتمة: نحو رؤية تشاركية راشدة
إن كمال الإيجابية يتجلى في التعاون والتآزر بين أصحاب التخصصات، لتنظيم الجهود وسد ثغرات الفساد، فاليد الواحدة قد تعجز، لكن الجماعة تبني أمة. وكما قيل:
قَدِّرْ لرِجْلِكَ قبلَ الخَطْوِ مَوْقِعَها … فمَنْ عَلا زَلَقاً عَن غِرَّةٍ زَلِجَا
لتكن إيجابيتنا عقيدة راسخة، تنبثق من حسن الظن بالله سبحانه وتعالى، وتترجم إلى واقع عملي لا تهزه رياح الأزمات. فكلما ازداد الظلام حلكة، كان لزاماً علينا أن نكون نحن الضياء الذي يبعث الأمل في النفوس، سائلين المولى عز وجل أن يستعملنا في طاعته، ويجعل خير أعمالنا خواتيمها.



اترك تعليقاً