تنزلق بعض الأفهام المعاصرة في خطأٍ جسيم حين تخلط بين “العمل الجماعي” كضرورة شرعية وواقعية، وبين “الجماعة” بصيغتها التنظيمية الحزبية الضيقة؛ فيُخيّل لبعضهم أنَّ نقد “الجماعة” أو رفض التحزب إنما هو دعوة للانكفاء الفردي أو تقويضٌ للجهد المشترك. والحق أنَّ هذا التصور يجافي الواقع والشرع معًا؛ فالعمل الجماعي ليس حكرًا على التنظيمات المعاصرة، ولا هو وليد رؤاها الحركية، بل هو جوهر البناء المجتمعي في الإسلام، والفرق بينهما كالفرق بين الجسد الحي المتفاعل وبين القوالب الجامدة التي تحبس الروح في أطرها الخاصة.
شمولية العمل الجماعي في البناء الإسلامي
إنَّ القارئ لمنظومة التشريع الإسلامي يدرك بجلاء أنَّ “الفردية” المطلقة تكاد تكون منعدمة في سياق التكليف الشرعي، فالمسلم كائن اجتماعي بامتياز، محاط بشبكة من الروابط والالتزامات التي تجعله دائم الاتصال بغيره.
- العبادات الكبرى كفعل جماعي: إنَّ الفروض الخمسة التي هي عماد الدين لا تُؤدَّى في كمالها إلا جماعة، والحج الذي هو رحلة العمر يمثل أكبر تظاهرة جماعية بشرية، والجهاد في سبيل الله لا يقوم إلا على تضافر الجهود وتراصّ الصفوف.
- التكافل المؤسسي (الوقف): يبرز الوقف الإسلامي كأرقى صور العمل الجماعي المنظم، حيث تتعاون الأجيال والأفراد لرعاية المساكين والفقراء وبناء الحضارة، وهو جهد مؤسسي مستمر لا يتوقف على حياة فرد أو رغبة شخص.
- الدوائر الاجتماعية المتداخلة: يبدأ العمل الجماعي من أصغر وحدة وهي الأسرة (الأب، الأم، الإخوة)، ثم يتسع ليشمل الجوار الذي أحيطه المسلم بتكاليف شرعية ووصايا نبوية غاية في الدقة، وصولاً إلى عموم المسلمين الذين يجمعهم رابط “الجوار العام” في الطرقات والمرافق العامة.
- تجميع المختصين والمحبين لهذا الدور الاجتماعي الحيوي.
- فرز نوعية متميزة من الشجعان والكرماء الذين تظهر معادنهم في ساحات البذل.
إنَّ هذا السياق العام يهدف إلى تكثير روابط التجمع الإنساني، وتقوية اللحمة المجتمعية تحت راية “التعاون على البر والتقوى”، وهو المقصد الذي سطّره الوحي في قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب}. فالأصل هو التجميع لا التفرق، والتعاضد لا التقاطع.
معايير الإتقان وأثرها في الفرز الاجتماعي
ينبني العمل الجماعي في الإسلام على ركيزتين أساسيتين تضمنان جودته واستمراريته:
أولاً: إسناد الأمر إلى أهله وتجويد الأداء
يقرر الإسلام أنَّ كفاءة العمل مرتبطة بالتخصص والإتقان، لذا ذمَّت الشريعة إسناد المهام لغير المؤهلين لها. وهذا الإتقان ليس مجرد مطلب فني، بل هو قيمة تعبدية يحبها الله تعالى، كما ورد في الحديث الشريف: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه”. ويتجلى هذا المعنى بوضوح في حث النبي ﷺ على تسوية القبر وإحسانه، رغم أنَّ هذا الفعل لا ينفع الميت ولا يضره في مآله الأخروي، إلا أنَّ “الإتقان” بحد ذاته مقصد شرعي لتربية النفس المسلمة على الجودة في كل شأن.
ثانياً: المكوث في العمل والفرز التخصصي
إنَّ طلب الإتقان يستلزم بالضرورة استمرار العاملين في مجالات تخصصهم لفترات زمنية كافية، وهذا المكوث ينتج عنه ما يمكن تسميته “الفرز الاجتماعي الوظيفي”. فالمداومة على فعل جماعي معين تُوجد “اجتماعاً للمختصين” يتمايزون عن غيرهم بأدائهم وخبراتهم.
فالصلاة -على سبيل المثال- كعمل مأمور به وبإقامته على الوجه الأكمل، تجمع أهلها خمس مرات يومياً، ومع مرور الوقت يتكون ما يمكن تسميته بـ “جماعة المصلين” في الحي الواحد. هؤلاء يعرف بعضهم بعضاً، وتنشأ بينهم وشائج تعاونية للقيام بشؤون المسجد ونشر العلم الشرعي. هنا نجد أنَّ الصلاة حققت وظيفتين:
1. وظيفة اجتماعية فطيرة: إشباع غريزة التجمع لدى الإنسان وربط المتوافقين في الهدف.
2. وظيفة الفرز التخصصي: عزل واختيار نوعية معينة من الناس (أهل العبادة والعلم) وتجميعهم للقيام بمهام مجتمعية محددة.
الضوابط الشرعية مقابل القوالب المدنية
إنَّ التجمع في المفهوم الإسلامي تحكمه ضوابط الوحي (الكتاب والسنة) كما جسدها النموذج العملي للرعيل الأول من الصحابة والتابعين. والشرع هو الذي ينسق حركة هذا العمل الجماعي ويضع حدوده، بخلاف ما نراه في “الجمعيات الأهلية” أو مؤسسات “المجتمع المدني” المعاصر، التي تقوم على التوافق البشري المحض حول قيم معينة قد تتبدل وتتغير.
في النموذج الإسلامي، الشعيرة هي التي تصيغ الجماعة، وليس العكس. فالجهاد -كمثال آخر- يستنفر الناس للبذل بالمال والنفس، فيجتمع له كل من لديه القدرة والرغبة في نصرة الدين. هذا العمل يؤدي وظيفته من خلال:
ولكن، ثمة فارق جوهري هنا: هذا العمل الجماعي لا ينشئ “جماعة وظيفية” تنغلق على نفسها وتتحول إلى “كتلة متكلسة” تتحرك بانتظام دائم ومستقل داخل المجتمع؛ بل هو فعل جماعي يؤدي مهمته ثم ينصهر أفراده مجدداً في نسيج الأمة الكبير بمجرد انتهاء المهمة.
خطورة التحزب وتفتيت بنية المجتمع
إنَّ المشكلة الكبرى تكمن في تحول العمل الجماعي من “فعل” يؤديه أصحابه في وقته، إلى “كيان” دائم ومنفصل (شيعة أو حزب). فالمتكتلون داخل المجتمع بصيغة حزبية يتحركون كجسم غريب وموازٍ للمجموع، مما يجعلهم بالضرورة في حالة مواجهة أو تمايز كلي أو جزئي مع الآخرين.
هذا النوع من “التحزب” هو الذي ذمه الله تعالى ووصفه بـ “التشيع” في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ}. كما بيّن القرآن الكريم أنَّ تفتيت المجتمع إلى شيع وأحزاب متناحرة هو أحد أدوات الاستقرار للاستبداد، كما فعل فرعون: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا}.
فالتحزب في جماعات مغلقة يعد من أهم أدوات تفتيت وحدة المجتمع المسلم، حيث يحل الولاء للتنظيم محل الولاء للأمة، وتصبح مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة المجموع، مما يسهل السيطرة على المجتمع الممزق والتحكم في تفاعلاته.
العمل الجماعي المنظم والنسق العلماني
قد يتساءل البعض: لماذا تبدو الجماعات المنظمة أو الأحزاب السياسية منسجمة جداً مع الواقع المعاصر؟ والإجابة تكمن في طبيعة النظام العالمي الحالي؛ فالمجتمعات المعاصرة هي مجتمعات “علمانية” في جوهرها التنظيمي، تقوم فلسفتها على تعدد الجماعات والأحزاب المتصارعة كصيغة لإدارة المصالح.
إنَّ الجماعة المنظمة (سواء كانت من رحم الصحوة الإسلامية، أو حزباً سياسياً، أو تكتلاً مجتمعياً) هي في الحقيقة أداة تنسجم تمام الانسجام مع “النموذج العلماني” الذي يتحكم في حياة البشر اليوم. والإصرار على حصر العمل الإسلامي في هذه القوالب التنظيمية يؤدي بالضرورة إلى نتيجتين:
1. البقاء داخل النسق: حيث يصبح العمل الإسلامي مجرد “ترس” في آلة علمانية كبرى، يخضع لقوانينها ويؤدي دوره ضمن حدودها.
2. تعزيز التفتيت: فالتفاعل من خلال هذه الجماعات يكرس حالة الانقسام المجتمعي التي تقتات عليها المنظومة العلمانية لضمان بقائها.
إنَّ الأدوات التنظيمية ليست مجرد وسائل محايدة، بل هي “فاعل عاقل” يؤدي دوراً وظيفياً يتفق مع المنظومة التي أفرزته. والعمل الجماعي الحق في الإسلام يجب أن يتجاوز هذه القوالب “المتكلسة” ليعود إلى رحابة “الأمة” وفضاء “التعاون المشاع” على البر والتقوى، حيث يكون الفعل هو المقصد، والشرع هو الضابط، والأمة هي الجماعة الكبرى التي لا يتقدم عليها تنظيم ولا يحجز المسلم عنها حزب.

اترك تعليقاً