مقدمة: في رحاب الافتقار إلى الغني الحميد
إن في مسيرة العبد نحو مرافئ الفلاح، سواء في مضامير الروح أو شؤون الدنيا، تبرز حقيقة كبرى لا غنى عنها لنيل المقاصد، وهي الاستعانة بالله عز وجل. فالمؤمن يدرك بقلبه وجوارحه أن الافتقار إلى الله سبحانه وتعالى هو عين الغنى، وأن طلب العون من الخالق هو الخطوة الأولى والمحورية في نجاح أي مشروع. ولكن، هل يعني هذا الركون إلى القدر وتعطيل الجوارح؟ إن الجواب يكمن في ذلك التوازن الدقيق الذي صاغته الشريعة الغراء بين يقين القلب وسعي البدن.
عقيدة المؤمن في تيسير المولى
يجب أن يستقر في روع المسلم يقينٌ جازم بأن الله سبحانه وتعالى هو ميسر الأمور ومسبب الأسباب، وهو وحده القادر على إعانتنا وتسديد خطانا. ومع هذا الإيمان العميق، لا يغيب عن الفطرة السليمة أن إهمال الوسائل المادية والمقدمات الضرورية ليس من التوكل في شيء. فلا تضادّ أبداً بين الثقة المطلقة في قدرة الله عز وجل وبين بذل الوسع والجهد البشري لتحقيق الغايات.
المنهج النبوي في التخطيط والعمل
حين نستقرئ آيات الذكر الحكيم وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، نجد نماذج باهرة تؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم والصالحين من بعده كانوا يضعون الخطط المحكمة، ويعدون العدة اللازمة، ويحسبون لكل خطوة حسابها، كل ذلك وهم يرفعون أكف الضراعة طلباً للهداية والتوفيق من الله سبحانه وتعالى قبل البدء وأثناء العمل.
وصية جامعة في الاستعانة واليقين
ولعل أجمع ما ورد في هذا الباب، تلك الوصية الخالدة التي سكبها النبي صلى الله عليه وسلم في روع ابن عباس رضي الله عنهما، وهي قاعدة ذهبية في بناء العقيدة والعمل.
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً، فقال:
«يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» (رواه الترمذي)
دروس مستفادة من الوصية النبوية
- علو الهمة في الطلب: أن يكون القصد والتوجه في طلب الحاجات إلى الله عز وجل أولاً وآخراً.
- حفظ حدود الله: أن رعاية أوامر الله سبحانه وتعالى هي السبيل لنيل حفظه ومعونته.
- التحرر من الخلق: اليقين بأن النفع والضر بيد الله وحده، مما يمنح المؤمن شجاعة في الأخذ بالأسباب دون خوف من غير الخالق.
- الإيمان بالقدر: التسليم بأن ما كتبه الله سبحانه وتعالى هو الكائن، مما يورث الطمأنينة عند السعي.
الخاتمة: ثمرة الجمع بين التوكل والعمل
بناءً على ما سلف، يتجلى لنا بوضوحٍ لا لبس فيه أنه لا تعارض بين إيماننا بقدرة الله عز وجل المطلقة على نصرتنا، وبين وجوب اتخاذ الوسائل المادية المتاحة. إن الاستعانة بالله هي روح العمل، والأخذ بالأسباب هو جسده، ولا يقوم أحدهما مقام الآخر في ميزان الشرع والعقل.
اللهم اجعلنا ممن توكل عليك فكفيته، واستهداك فهديته، واستعان بك فأعنته، ووفقنا للأخذ بالأسباب مع تمام اليقين بك يا رب العالمين.



اترك تعليقاً