مقدمة: في مقتضيات الاستخلاف وعمارة الأرض
إنّ المتأمل في سنن الله (عز وجل) في الآفاق وفي أنفسهم، يدرك أن تحقيق النهضة الحضارية المنشودة لا يتأتى عبر القفز فوق سنن التدرج، بل هو ثمرة رؤيةٍ سديدة، وأفكارٍ متسقة، وتراكمٍ زمنيٍّ واعٍ. إن عمارة الأرض التي استخلفنا الله (سبحانه وتعالى) فيها تقتضي عملاً دؤوباً وسيراً حثيثاً نحو غاياتٍ مرسومة، تتبدى نتائجها في نتاجٍ مادي ومعنوي يعكس روح الأمة وهويتها، لا في مجرد استهلاك ما جادت به قرائح الآخرين.
وهمُ الاستيراد وخدعة "متجر الحضارة"
ليست النهضة الحقة هجمةً محمومة نحو حياض الحضارة المعاصرة لاقتناء قشورها وتكديس منتجاتها في ديارنا، ثم الادعاء -زوراً- بأننا قد بلغنا شأو النهضة. إن الحضارة في جوهرها هي الكيان الذي يلد منتجاته، وليست هي النتيجة المجمعة لتلك المنتجات؛ فالبناء يبدأ من الداخل، من الروح والعقل، ثم يفيض على الواقع المادي.
لقد غدا "عالم الأشياء" -كما وصفه المفكر مالك بن نبي- حجاباً كثيفاً أعمى بصائر الكثيرين عن إدراك مفهوم البناء المرحلي التكاملي. فاستبدلنا بالبناء الأصيل تكديساً عشوائياً للمنتجات المادية والمعنوية، ظناً منا أن تكديس الوسائل يصنع الغايات، والحقيقة أن الحضارة هي التي توجد وسائلها وتطوعها لخدمة قيمها.
قانون البناء في مواجهة فوضى الركام
لا يمكن لركامٍ متنافر من المتناقضات، جُمعت في سياقٍ فوضوي، أن تشيد صرحاً حضارياً، أو أن تأخذ بيد مجتمعٍ استيقظ من سباتٍ طال أمده نحو دروب التحضر. إن الاستعارة العشوائية لمنتجات حضارةٍ ولدت في سياقٍ تاريخي وقيمي مغاير لا يمكن أن تثمر نهضة في بيئةٍ لها شروطها الخاصة؛ ذلك أن الحضارة تخضع لقانون البناء المحكم لا لثقافة التكديس العبثي.
إننا إذا رمنا بناء نهضةٍ تحقق التنمية والسيادة، وتؤهلنا لمنافسة الأمم في قيادة البشرية، فإن السبيل إلى ذلك يكمن في حل مشكلاتنا الجوهرية من جذورها، لا في استيراد حلولٍ معلبة وتكديسها فوق أزماتنا.
تجليات التكديس: من المادة إلى الإنسان والفكر
إن آفة التكديس لا تقف عند حدود "عالم الأشياء" والتقنيات، بل تمتد لتشمل الإنسان والفكرة أيضاً، وهو ما يظهر جلياً في واقعنا المعاصر:
- تكديس الأشياء: نرى إنفاقاً مسرفاً على جلب أحدث التقنيات وبناء الصروح الضخمة التي تفتقر أحياناً للروح والفاعلية. فبينما نجد جامعاتٍ عريقة كأكسفورد تخرج العلماء من مبانٍ بسيطة وتجهيزاتٍ قديمة بفضل منهجية البناء، نجد في بعض مؤسساتنا أحدث الأجهزة التي تظل معطلة أو تفتقر للتخطيط الذي يفعّل دورها.
- تكديس الأشخاص: يزدوج تكديس الأشياء بتكديس البشر؛ حيث تُملأ الوظائف بأعدادٍ تفوق الحاجة الفعلية، مما يولد بطالةً مقنعة، ويحول الكوادر البشرية إلى أرقامٍ في سجلاتٍ رسمية، دون تأهيلٍ حقيقي أو توظيفٍ وظيفي يخدم الأمة.
- تكديس الأفكار: وهو أخطر الأنواع، حيث تُجمع الشهادات والكتب والنصوص دون فقهٍ أو استيعاب. إن اجترار نصوص التراث أو نظريات الغرب دون "تبيئة" معرفية أو تحيينٍ زمني يجعلها ركاماً معرفياً يعيق الحركة ولا يدفعها.
مكمن الخطر وسبيل الخلاص
إن الخطورة الكامنة في "الأخذ التكديسي" عن النموذج الغربي تتمثل في اختراق عقل الأمة وعقيدتها، مما يهدد ثوابتها التصورية ويقودها إلى التبعية العمياء. إن هذا المسلك يخرج الأمة من ساحة الفعل الحضاري لتصبح مجرد تابعٍ يدور في فلك الآخر، فاقدةً لذاتها وروحها.
إن التكديس عائقٌ كؤود يجب الحذر منه، فهو مراكمةٌ بلا رؤية، وجسدٌ بلا روح. إن النهضة الحقيقية هي التي تنبع من قيمنا الإسلامية الراسخة، وتعتمد البناء المنهجي الذي يزاوج بين الأصالة والمعاصرة في تناغمٍ مبدع.
خاتمة:
نسأل الله (عز وجل) أن يبصرنا بمواطن الخلل في مسيرتنا، وأن يرزقنا فقه البناء وعزيمة المصلحين، ليتحقق فينا قوله (سبحانه وتعالى): {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}. اللهم اجعلنا ممن يبنون الحضارة بقيم الوحي، ويشيدون النهضة بعلمٍ نافع وعملٍ صالح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



اترك تعليقاً