فقه التشارك لا ثقافة التشاكس: رؤية إسلامية في فلسفة المجتمع المدني المعاصر

فقه التشارك لا ثقافة التشاكس: رؤية إسلامية في فلسفة المجتمع المدني المعاصر

الاستهلال: في مآلات الوعي والتباس المفاهيم

حينما أشرقت شمس التسعينيات وتهاوت جدران الشمولية في أوروبا الشرقية، برزت منظمات المجتمع المدني كأيقونة للتحرر، ورسمت المخيلة الجمعية صورةً درامية للناشط الأعزل في مواجهة الدبابة العاتية. بيد أن هذا الاختزال حصر مفهوم العمل المدني في بوتقة "المواجهة"، وكأنما لا يستقيم دور المجتمع إلا بمناوأة السلطة. إن هذا المنظور يغفل تمايز النماذج الغربية ذاتها، ويغفل قبل ذلك التأصيل الشرعي الذي ينظر للمجتمع كبنيان مرصوص يشد بعضه بعضاً.

سراب التوجس: النموذج الأمريكي وظلال الريبة

في الولايات المتحدة، لم ينبثق المجتمع المدني من فراغ، بل وُلد من رحم الشك المتجذر في سلطة الدولة. لقد صُمم الدستور هناك ليكون درعاً واقياً للفرد من تغول الحكومة، ومن هذه الروح القلقة ولدت منظمات حقوقية كبرى.

  • وظيفتها الأساسية: القيام بدور "كلب الحراسة" الذي يراقب حدود الدولة.
  • آلية عملها: منطق السوق القائم على التبرعات الفردية.
  • معيار نجاحها: علو صوتها في النقد والاحتجاج لا في حجم الخدمات التي تقدمها.

فلسفة العقد التشاركي: النموذج الألماني أنموذجاً

إذا ما يمنا وجوهنا شطر ألمانيا، سنجد لوحة مغايرة تماماً؛ فالمجتمع المدني هناك لا يرى في الدولة خصماً لدوداً، بل شريكاً استراتيجياً. المنظمات الكبرى هناك هي مؤسسات رصينة تقدم خدمات الرعاية والتعليم والصحة نيابة عن الدولة.

وهنا تبرز مفارقة تدهش أصحاب الأحكام المعلبة: هذه المنظمات تتلقى تمويلاً حكومياً ضخماً، ولا يُنظر لهذا التمويل بوصفه "احتواءً" أو "تدجيناً"، بل هو ذروة التضامن الاجتماعي. إن الدولة الألمانية تعمل بمبدأ "التفريع"؛ فهي تمول والمجتمع ينفذ، في تناغم يحقق المصلحة العامة.

الذات والحقيقة: نحو تأصيل شرعي للمجتمع المدني

إننا في العالم العربي والإسلامي نرتكب خطأً فادحاً حين نقيس نجاح جمعياتنا بمدى صراخها في وجه الحكومات، مقلدين بذلك النموذج الأمريكي بوعي مستلب. ولو تأملنا واقعنا بعيون البصيرة، لأدركنا أن بنية مجتمعاتنا القائمة على "الدولة الراعية" و"التكافل الاجتماعي" تجعلنا أقرب للنموذج التشاركي.

إن الشريعة الغراء لم تدعُ يوماً إلى الصدام العبثي، بل حثت على التعاون على البر، يقول الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].

دروس مستفادة من النموذج التشاركي الإسلامي:

  • الوئام مقدم على الصدام: الأصل في العلاقة بين المجتمع والدولة هو التكامل لتحقيق مقاصد الشريعة.
  • التمويل وسيلة لا غاية: دعم الدولة للجمعيات الخيرية هو تمكين للمجتمع من القيام بواجبه الكفائي.
  • الفعالية بالخدمة: يُقاس نجاح المؤسسة بما تقدمه من نفع للناس، انطلاقاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ".

الخاتمة: رؤية للمستقبل

إن المشكلة ليست في أننا لا نشبه الغرب، بل في أننا اخترنا المرآة الخطأ لننظر فيها إلى أنفسنا. إن النموذج التشاركي هو نموذج عالمي محترم، وهو الأنسب لمجتمعاتنا التي تنشد الاستقرار والوئام. إن الدولة، لا سيما في منطقتنا الخليجية، هي الممول الأكبر للخير، والجمعيات هي الذراع التنفيذي لهذا العطاء، وهذا ليس تخلفاً بل هو عين التحضر.

نسأل الله عز وجل أن يوفقنا لبناء مجتمع متراحم، يسوده الود وتجمعه كلمة التقوى، مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى". والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *