فقه العمران في الحضارة الإسلامية: رؤية شرعية وتخطيطية لتنظيم المدن وحماية الحقوق

مقدمة: مفهوم فقه العمران في المنظور الإسلامي

لم تكن الحضارة الإسلامية مجرد فتوحات جغرافية أو شعائر تعبدية معزولة عن واقع الحياة، بل كانت مشروعاً حضارياً متكاملاً استهدف صياغة الوجود الإنساني في كافة أبعاده. ومن أزهى تجليات هذه الحضارة ما يعرف بـ “فقه العمران”، وهو العلم الذي يمزج بين الأحكام الشرعية والفلسفة الهندسية لتنظيم معيشة الناس في المدن. ينطلق هذا الفقه من المبدأ القرآني السامي في قوله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]، حيث اعتُبرت عمارة الأرض واجباً استخلافياً يقتضي إقامة العدل، وتحقيق المصلحة، ومنع الضرر.

إن فقه العمران ليس مجرد قواعد لبناء الجدران، بل هو دستور أخلاقي وقانوني ينظم العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبين الخاص والعام، وبين الإنسان والبيئة المحيطة به، مما جعل المدن الإسلامية التاريخية نماذج فريدة في التلاحم الاجتماعي والكفاءة الوظيفية.

أولاً: الضوابط الشرعية والقواعد الكلية لتخطيط المدن

تأسس التخطيط العمراني في الإسلام على مجموعة من القواعد الفقهية الكلية التي شكلت “قانون البناء” غير المكتوب، ومن أهمها:

  • قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”: وهي المحرك الأساسي لكافة أحكام العمران. استناداً لقول النبي ﷺ: “لا ضرر ولا ضرار” (رواه ابن ماجه)، مَنع الفقهاء أي استحداث معماري يؤدي إلى إلحاق الضرر بالجار أو بالمارة، مثل فتح نافذة تطل على عورات الجيران، أو بناء جدار يحجب الضوء والهواء بشكل مجحف.
  • قاعدة “الضرر يُزال”: وتقتضي تدخل السلطة (المحتسب أو القاضي) لإزالة أي تعدٍ على المجال العام أو حقوق الآخرين حتى لو كان البناء قديماً.
  • قاعدة “المصلحة المرسلة”: حيث تترك الشريعة لولاة الأمر والمخططين حرية تنظيم الطرق والأسواق بما يخدم مصلحة الجماعة، ما لم يصادم نصاً شرعياً.

ثانياً: تنظيم الطرق والمجال العام

اهتم فقه العمران بتصنيف الطرق وتنظيم حركتها لضمان انسيابية المرور وسلامة المشاة، مع مراعاة الخصوصية السكنية:

1. عرض الطرق وتصنيفها

فرّق الفقهاء بين “الطريق النافذ” الذي يمر فيه عامة الناس، و”الدرب غير النافذ” (الزقاق السكني). وفي السنة النبوية توجيه أصيل في هذا الصدد؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “إذا تشاجرتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع” (متفق عليه). هذا التقدير (نحو 3.5 متر) كان يمثل الحد الأدنى الذي يسمح بمرور دابتين محملتين في اتجاهين متعاكسين، وهو ما يعادل في مفهومنا المعاصر معايير “السعة المرورية”.

2. حماية الفناء والمجال العام

مُنع أصحاب البيوت من اقتطاع أي جزء من الطريق العام لبناء “دكان” أو “دكة” (مقعد حجري) إذا كان ذلك يضيق على المارة. كما أُقر حق “الفناء”، وهو المساحة المحيطة بالبيت التي يحق لصاحبها الانتفاع بها بما لا يضر بالمرور، مما أوجد توازناً دقيقاً بين الملكية الفردية والمنفعة العامة.

ثالثاً: الحقوق الارتفاقية وحماية الجوار

تعتبر “الحقوق الارتفاقية” من أدق مباحث فقه العمران، وهي حقوق تتقرر لعقار على عقار آخر، وقد وضع لها الفقهاء تفصيلات تحمي السكينة العامة:

  • حق المجرى والمسيل: وهو حق صاحب الأرض البعيدة عن مورد الماء في إمرار قنوات الماء عبر أراضي الجيران، أو تصريف مياه الأمطار، مع ضمان عدم إحداث ضرر بالبنية التحتية للجيران.
  • حق الضوء والهواء (المناور): منع الفقهاء البناء الشاهق الذي يحجب الشمس تماماً عن بيت الجار أو يمنع عنه تدفق الهواء، معتبرين أن هذه الموارد الطبيعية حقوق مشتركة لا يجوز الاستبداد بها.
  • حرمة الخصوصية (الاستشراف): من أهم الضوابط العمرانية منع “الاستشراف”، وهو أن يطل صاحب البيت على عورة جاره. ولذلك نجد في العمارة الإسلامية “المشربيات” والفتحات العالية، التزاماً بالتوجيه النبوي في احترام الخصوصية، وتطبيقاً لقاعدة سد الذرائع المؤدية للفتنة والمضايقة.

رابعاً: المؤسسات التنظيمية (المحتسب ودوره العمراني)

لم تكن قوانين العمران مجرد نصوص نظرية، بل كان هناك جهاز تنفيذي يراقب تطبيقها وهو “ديوان الحسبة”. كان “المحتسب” يقوم بدور المراقب البلدي والمهندس المشرف، ومن مهامه:

  • منع التعدي على الشوارع والساحات العامة.
  • مراقبة متانة البناء لضمان عدم انهيار الجدران على المارة.
  • التأكد من عدم خلط الأنشطة الصناعية الملوثة (مثل الدباغة أو الحدادة) بالكتل السكنية، وهو ما نطلق عليه اليوم “النطاق العمراني” (Zoning).
  • الإشراف على نظافة الطرقات ومنع إلقاء الأنقاض أو النفايات فيها.

خامساً: المسجد والمركزية الحضرية

في تخطيط المدينة الإسلامية، يمثل “المسجد الجامع” القلب النابض الذي تتفرع منه الشرايين. لم يكن المسجد مكاناً للصلاة فحسب، بل كان مركزاً تعليمياً وإدارياً واجتماعياً. وتتوزع حوله الأسواق (التي رُتبت بحيث يكون الأقرب للمسجد أطهرها كبائعي الكتب والعطور، والأبعد هي المهن التي لها ضجيج أو روائح)، ثم تأتي الأحياء السكنية (الأخطاط) التي توفر الهدوء والخصوصية. هذا التدرج من “العام جداً” إلى “الخاص جداً” هو عبقرية التخطيط التي افتقدتها المدن المعاصرة.

خاتمة: نحو استعادة الروح في عمارة العصر

إن فقه العمران في الحضارة الإسلامية يقدم لنا درساً بليغاً في أن العمارة ليست مجرد فن هندسي، بل هي تجسيد للقيم الأخلاقية والضوابط الشرعية. لقد نجح أجدادنا في بناء مدن “إنسانية” تحترم خصوصية الفرد، وتحمي حقوق الجار، وتعظم المنفعة العامة، وتنسجم مع البيئة.

واليوم، وفي ظل التوسع العمراني الهائل والمشكلات البيئية والاجتماعية التي تعاني منها مدننا، تبرز الحاجة الماسة لاستلهام هذه الضوابط. إن إحياء فقه العمران يعني التحول من “تخطيط الإسمنت” إلى “تخطيط الإنسان”، حيث تُبنى المدن لتكون سكناً للأرواح قبل الأجساد، وحيث تُحترم الحقوق الارتفاقية والجمالية كجزء من التعبد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *