مقدمة: في رحاب العلم والتقنية
إنَّ مقتضى الحكمة الربانية في استخلاف الإنسان في الأرض تقتضي منه تطويع كل وسيلةٍ لخدمة دينه وإعلاء كلمة الحق سبحانه وتعالى. وفي هذا السياق، شهدت الدوحة انطلاق أعمال الدورة الثلاثين لمنتدى "كتارا تيك"، الذي نظمته المؤسسة العامة للحي الثقافي (كتارا) بالتعاون مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية القطرية وموقع "إسلام أون لاين". لقد جاء هذا المنتدى تحت عنوان الذكاء الاصطناعي في الشريعة الإسلامية؛ ليكون جسراً معرفياً يربط بين أصالة الفقه الإسلامي وثورة البيانات المعاصرة، سعياً لبناء أطرٍ متينة تخدم المحتوى الإسلامي الرقمي مع صيانة جوهره العلمي.
وفي مستهل هذا المحفل، أكد السيد ثامر القاضي، مدير إدارة تكنولوجيا المعلومات في "كتارا"، على أن المؤسسة تضع نصب عينيها تقديم منصات تجمع بين الابتكار التقني والهوية الثقافية، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي أضحى شريكاً لا محيص عنه في دفع عجلة المعرفة الإنسانية في شتى المجالات.
"دردشة الفتوى" ومنصة "فنار": حصنٌ رقمي للوعي الديني
تناول المنتدى بُعداً جوهرياً يتمثل في صناعة الفتوى عبر التقنيات الحديثة، حيث استعرض السيد جاسم العلي، مدير إدارة الدعوة والإرشاد الديني بوزارة الأوقاف القطرية، خدمة "دردشة الفتوى" المرتبطة بمنصة "إسلام ويب". ووصف العلي هذه المبادرة بأنها قفزة نوعية تيسر للمسلمين الوصول إلى المعلومات الدينية الموثقة.
ومن أبرز ما كُشف عنه في هذا الصدد:
- الشراكة مع منصة "فنار": وهي مبادرة وطنية سيادية رائدة للذكاء الاصطناعي التوليدي في دولة قطر، تعمل كمستودع رقمي آمن يضمن مطابقة الردود الآلية للمصادر الشرعية المعتمدة.
- الوقاية من التضليل: بفضل إشراف مؤسسات أكاديمية وعلمية مرموقة، توفر منصة "فنار" حماية تقنية ضد ما يعرف بـ "هلوسة الذكاء الاصطناعي" أو المعلومات المغلوطة.
- البحث الدلالي الذكي: تعتمد الخدمة تقنيات متطورة للربط بين المستخدم وقاعدة بيانات تضم أكثر من 400 ألف فتوى موثقة عبر تطبيقات "واتساب" و"تليجرام".
- فهم السياق واللهجات: يتميز النظام بقدرة فائقة على تحليل مقاصد السائلين وفهم اللهجات المحلية المتنوعة، مما حقق نسبة رضا بلغت 99%.
- صمام الأمان البشري: يظل الاجتهاد البشري هو المرجع الأصيل، حيث يتضمن النظام ميزة الإحالة المباشرة إلى المفتين المختصين في القضايا المستجدة والمعقدة.
حوكمة الخطاب المنبري: معايير علمية في عصر الخوارزميات
وفي سابقة هي الأولى من نوعها في المنطقة، كشف الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز آل ثاني، مدير إدارة المساجد بوزارة الأوقاف، عن مشروع ريادي لتحليل وتقييم خطب الجمعة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وأوضح فضيلته أن هذا النظام يعمل على تحويل التسجيلات الصوتية إلى نصوص رقمية، ثم إخضاعها لمصفوفة من تسعة معايير علمية دقيقة، منها:
- وحدة الموضوع وترابط الأفكار.
- قوة الاستدلال بالنصوص الشرعية.
- جودة الأداء اللغوي والخطابي.
- التوثيق العلمي وصحة العزو للمصادر.
وشدد الشيخ عبد الرحمن على أن هذه التقنية ليست أداة للرقابة التقليدية، بل هي وسيلة للتطوير المهني والارتقاء بمستوى الخطباء عبر تقارير آلية موضوعية توفر مئات الساعات من العمل اليدوي.
الضوابط المنهجية: الآلة أداة طيعة لا مجتهد مستقل
من جانبه، استعرض الدكتور إدريس أحمد تيجاني، الباحث المتخصص في الفقه وأصوله، تجربة موقع "إسلام أون لاين" مع هذه التقنيات. وقدم رؤية منهجية رصينة مفادها أن توظيف الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الشرعية يجب أن يظل في إطار "الأداة التنظيمية المساعدة" التي تيسر الوصول للمصادر وتدعم البحث العلمي، دون اعتبار الآلة كياناً فقهياً مستقلاً.
ونبّه الدكتور تيجاني إلى تحديات كبرى، أبرزها افتقار الآلة للإدراك الوجداني والروحي، مما يجعل الرقابة البشرية ضرورة شرعية لضمان سلامة المحتوى. وأثنى على الشراكة مع منصة "فنار" كونها تؤسس لبيئة ذكاء اصطناعي آمنة تستقي بياناتها من مؤسسات أكاديمية موثوقة.
خاتمة: استشراف المستقبل بوعيٍ وإيمان
ختاماً، إنَّ الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة تاريخية لخدمة العلوم الشرعية ونشر هدي الإسلام، شريطة أن يظل هذا التطور محكوماً بضوابط المنهج العلمي الرصين وتحت إشراف أهل الذكر. لقد أثبت منتدى "كتارا تيك" في نسخته الثلاثين أن الأمة القادرة على تطويع أدوات عصرها هي الأقدر على حماية هويتها وتبليغ رسالتها.
نسأل الله عز وجل أن يوفق القائمين على هذه الجهود لما فيه خير البلاد والعباد، وأن يجعل هذه التقنيات حجة لنا لا علينا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



اترك تعليقاً