تتردد على ألسنة الكثيرين عبارات اليأس مثل “الحياة قاسية” أو “أعيش رواية مأساوية”، والحقيقة أن هذه المعاناة ليست استثناءً، بل هي سنة كونية؛ فقد خلق الله الدنيا دار ابتلاء واختبار، سواء رضينا بذلك أم أبينا. لكن التمايز الحقيقي بين الناس يكمن في “المرونة النفسية”، وهي مجموعة مهارات مكتسبة يمكن لأي شخص تعلمها لمواجهة تحديات الحياة.
فيما يلي استعراض لأهم ركائز المرونة النفسية:
أولاً: الرؤية الشمولية (بين الحاضر والمستقبل)
المرونة تبدأ من القدرة على قراءة الواقع ورؤية “الصورة الكبيرة”. فالمشكلة التي تواجهك الآن تشبه الكأس القريب من عينك، لا ترى منه إلا جهة واحدة، لكنك إذا أبعدته قليلاً اتضحت لك تفاصيله.
- مهارة الاستقراء: القدرة على انتزاع النفس من ضجيج الحياة لتقييم الواقع بوضوح.
- الاستعداد الاستباقي: المميزون يضعون خططاً بديلة ويتوقعون المتغيرات قبل وقوعها، بعيداً عن الانخداع بالمغريات المؤقتة.
- كسر الجمود: المرونة تعني الشغف بكل ما هو جديد ومفيد.
- التحرر من الروتين: عدم السماح للعادة بأن تمنعنا من تطوير أدواتنا وإنجازاتنا.
- تجاوز الندب: بدلاً من الغرق في تساؤلات مثل “لماذا أنا؟”، يبدأ المرن في البحث عن سبل الاستمرار وتأمين المستقبل.
- النهوض بعد السقوط: الشدائد قد تكسر البعض وتحولهم لهامش الحياة، بينما يصنع منها المرنون قصص نجاح ملهمة.
- قصة “سمكة الجدة”: تذكرنا هذه القصة الرمزية بأننا قد نمارس سلوكيات لا منطق لها حالياً لمجرد أننا ورثناها، تماماً كما كانت الجدة تقطع رأس السمكة لأن مقلاتها كانت صغيرة، واستمرت الحفيدة في فعل ذلك رغم امتلاكها مقلاة كبيرة!
- التحرر من “الآبائية”: القدرة على التمييز بين الحقائق الثابتة وبين العادات الاجتماعية التي لا سند لها.
- أشياء لا نغيرها: مثل الأحوال الجوية، الاقتصاد العام، أو طباع الآخرين المتأصلة؛ وهذه تحتاج إلى “تقبل ومرونة”.
- أشياء نغيرها: مثل موقفنا النفسي، ميزانيتنا الشخصية، وطريقة تواصلنا مع الآخرين؛ وهذه تحتاج إلى “قوة ومبادرة”.
- القاعدة الذهبية: القلق من أشياء لا يمكن تغييرها يستنزف الطاقة التي نحتاجها لإصلاح ما يمكن تغييره.
- الفصل بين المهنية والأسرة: لا تكن “مديراً” في بيتك، ولا تكن “منسحباً” في عملك.
- التوازن: النجاح في دور واحد (كالعمل) لا يعفي الإنسان من واجباته في الأدوار الأخرى، والزوج الذكي هو من يعرف متى يرتدي قناع “المهني” ومتى يرتدي قناع “السكن والمودة”.
ثانياً: الانفتاح على التغيير
يرى البعض في التغيير تهديداً لاستقرارهم، بينما يراه المرنون فرصة للنمو. فالتمسك بالقديم لمجرد الاعتياد (مثل المزارع الذي يرفض الآلات الحديثة أو الطبيب الذي يقاوم التقنيات الجديدة) يضيع الكثير من المكاسب.
ثالثاً: التكيف مع الصدمات والشدائد
المرونة تظهر بوضوح في لحظات الفقد والأزمات الكبرى. فالقدرة على الانتقال من “مربع الصدمة” إلى “مربع العمل” هي جوهر الذكاء العاطفي.
رابعاً: المراجعة الذاتية ونقد الموروث
يمتلك الشخص المرن شجاعة إعادة النظر في قناعاته وسلوكياته التي ربما اعتاد عليها دون وعي.
خامساً: الحكمة في التمييز بين الممكن والمستحيل
من أهم مهارات المرونة النفسية هي إدراك حدود القدرة البشرية، والتركيز على ما يمكن تغييره فعلياً.
سادساً: القوة من الداخل إلى الخارج
يعتمد المرنون على ذواتهم وتطوير مهاراتهم الشخصية لمواجهة العقبات، بدلاً من انتظار حلول خارجية أو ضربات حظ. القوة الحقيقية تنبع من الأعماق، من خلال التعلم المستمر وتغيير نمط الحياة لمواكبة التحديات.
سابعاً: مهارة تبديل الأدوار
نحن نؤدي أدواراً متعددة في اليوم الواحد (موظف، أب، زوج، ابن). الفشل في الانتقال السلس بين هذه الأدوار يسبب خللاً اجتماعياً كبيراً.
خاتمة:
المرونة النفسية ليست مجرد معلومات تُقرأ، بل هي مهارات تُصقل بالتدريب المستمر والصبر على مجاهدة النفس والواقع. فكن مرناً.. تكن أقوى.

اترك تعليقاً