رحلة في عالم الألحان الخوارزمية
الموسيقى هي رفيقي الدائم في كل لحظة؛ فأنا دائماً ما أستمع إلى قوائم تشغيل منسقة بعناية أو أكتشف ألبومات جديدة. وبصفتي مراسلاً متخصصاً في أخبار الذكاء الاصطناعي، راقبت نمو ما يسمى بـ “صناعة موسيقى الذكاء الاصطناعي” على مدار السنوات القليلة الماضية. لذا، قررت أخيراً أن أضع هؤلاء “الفنانين الاصطناعيين” تحت الاختبار، وفرضت على نفسي تحدياً: الاستماع حصرياً لموسيقى من إنتاج الذكاء الاصطناعي لمدة أسبوع كامل.
لقد كان أسبوعاً طويلاً جداً. الحقيقة هي أن موسيقى الذكاء الاصطناعي تنزع “الفن” (Art) من كلمة “اصطناعي” (Artificial). لكنها، في الوقت ذاته، كانت تجربة تعليمية كشفت لي الكثير عن مستقبل الإبداع البشري في مواجهة الآلة.
تاريخ قديم في ثوب تقني جديد
ليست قضية دخول التكنولوجيا إلى عالم الموسيقى بالأمر الجديد؛ فقد جادل الموسيقيون حول دور التكنولوجيا لمئات السنين، بدءاً من ظهور الفونوغراف ووصولاً إلى أجهزة الـ Synthesizers وتقنيات الـ Autotune. لكن ما يجعل اللحظة الحالية فريدة هو أن الذكاء الاصطناعي يمكنه إنشاء أغانٍ كاملة بتوجيه بشري ضئيل جداً. المشكلة تكمن في أن هذه النماذج مبنية على موسيقى أنشأها بشر حقيقيون، مما يخلق ضباباً من المشكلات القانونية والفوضى الأخلاقية.
بلاستيك موسيقي وضجيج رقمي
في تجربتي، استمعت فقط إلى الأغاني التي ثبت تعديلها أو إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي. رغم تنوع الخيارات، إلا أن الحماس الأولي لم يدم طويلاً. معظم موسيقى البوب (Pop) كانت حادة وصريرية، وكأنها نسخة “بلاستيكية” من الموسيقى الحقيقية. أما موسيقى الـ EDM فكانت تشعرني وكأنني محاصر في حفلة منزلية مع دي جي مبتدئ؛ حيث عززت إيقاعات الـ House والـ Techno فكرة أنني أستمع إلى موسيقى روبوتية تفتقر لأي لمسة بشرية.
تحسن الوضع قليلاً مع موسيقى “الفولك” (Folk) و”الكانتري” (Country)، حيث كان التركيز أكبر على الآلات الموسيقية والصوت الأكوستيك. بعض الأغاني بدت وكأنها لفنانين مثل نوح كاهان أو كايسي موسغريفز، وهنا بدأت أنسجم قليلاً مع أنماط استماعي المعتادة.
العلم وراء التعلق بالموسيقى
خلال التجربة، لاحظت أن وقت استماعي للموسيقى انخفض بشكل ملحوظ، وشعرت بنوع من الحرمان العاطفي. لكنني اكتشفت لاحقاً أن هناك سبباً عصبياً ونفسياً لذلك. تخبرنا جوي ألين، مديرة معهد الموسيقى والصحة في بيركلي، أن الموسيقى هي أحد الأشياء القليلة التي تنشط كل جزء من الدماغ، وخاصة في مرحلة المراهقة حيث تعمل أدمغتنا كالإسفنج.
أكثر ما أثر فيّ عاطفياً خلال الأسبوع كانت “أغاني الكوفر” (Covers) التي نفذها الذكاء الاصطناعي لأغاني تايلور سويفت. إعادة تخيل أغنية مثل “You Belong With Me” بأسلوب الـ Pop Punk كانت تجربة مرضية بشكل غريب بسبب جرعة الحنين (Nostalgia) المرتبطة بالكلمات والألحان الأصلية المحفورة في ذاكرتي.
بين الديمقراطية التقنية والسرقة الإبداعية
شركات مثل Suno و Udio حققت طفرة كبيرة، حيث وصل عدد المشتركين في Suno إلى مليوني مشترك مدفوع. تكنولوجيا هذه المواقع تعتمد على نماذج الـ Transformers و الـ Diffusion، وهي نفس التقنيات التي تشغل روبوتات الدردشة ومولدات الصور. ورغم أنها تجعل إنتاج الموسيقى أسرع وأرخص وأسهل، إلا أنها تواجه دعاوى قضائية من شركات التسجيل الكبرى بتهمة استخدام أعمال الموسيقيين للتدريب دون إذن أو تعويض.
الخلاصة: هل تفقد الموسيقى روحها؟
الموسيقى في جوهرها هي تجربة إنسانية واجتماعية. طوال أسبوع الذكاء الاصطناعي، شعرت بالعزلة؛ فلا توجد ذكريات مرتبطة بلحظات معينة، ولا شخصية للفنان، ولا ثقافة جماهيرية (Fandom). كانت تجربة استماع سطحية للغاية.
الذكاء الاصطناعي يتغلغل في ثقافتنا، ومحاولته محاكاة الإبداع البشري بهذا الشكل تثير القلق بقدر ما تثير الإعجاب. إزالة العنصر البشري – أو الأسوأ، محاولة تقليده – تسلب الروح من كل ما يجعل الموسيقى تستحق الاستماع. لذا، لا أنصحك بقضاء أسبوع مع موسيقى الذكاء الاصطناعي، إلا إذا كنت ترغب في التأكد من أن التكنولوجيا لا تزال بعيدة كل البعد عن لمس جوهر إنسانيتنا.
المصدر: CNET


اترك تعليقاً