هل تستطيع عبوة بدائية وُضعت في حاوية مهملات أن تقلب موازين دولة تسعى للنهوض من ركام الحرب؟
هذا التساؤل يختصر المشهد المرتبك في أزقة دمشق العتيقة اليوم؛ حيث يختلط دخان البارود بطموحات الانفتاح الدولي. إن السعي لتحقيق الاستقرار في سوريا يواجه اختباراً أمنياً جديداً، يتجاوز في أبعاده مجرد انفجار عابر، ليصبح صراعاً بين إرادة البناء ومحاولات التقهقر إلى مربع الفوضى الأول.
توقيت الانفجار: حين يتحدث البارود بلغة السياسة
لم يكن اختيار شارع شكري القوتلي، ولا استهداف المنطقة المحيطة بوزارة السياحة، ضرباً من العشوائية. لقد جاءت العبوات الناسفة في صبيحة يومٍ كانت فيه دمشق تتزين لاستقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون؛ أول زعيم غربي يطأ الثرى السوري منذ سقوط النظام السابق في ديسمبر 2024.
هذا التزامن يحمل بصمة "الرسائل المشفرة"؛ فالمفجرون لم يراهنوا على القوة التدميرية للعبوات، بل على صدى الانفجار في أروقة الدبلوماسية الدولية. إنها محاولة لرسم صورة ذهنية مفادها أن الأرض لا تزال تميد تحت الأقدام، وأن "الاستقرار في سوريا" مجرد سراب يحاول المجتمع الدولي مطاردته.
خريطة المصالح: من يخشى تعافي الدولة؟
في علم الجريمة السياسية، يظل السؤال الأهم: من المستفيد؟ إن شبكة المتضررين من استعادة الدولة السورية لعافيتها تتسع لتشمل أطرافاً متباينة الأهداف لكنها تلتقي عند غاية واحدة، وهي إبقاء البلاد في حالة "السيولة الأمنية".
أبرز الجهات المشتبه بوقوفها خلف هذه العمليات:
- تنظيم الدولة الإسلامية (داعش): الذي أعلن صراحة عن مرحلة جديدة من العمليات لتقويض الحكومة الجديدة.
- فلول النظام السابق: الساعون لإثبات أن غيابهم يعني الفوضى الحتمية.
- القوى الإقليمية المتوجسة: التي ترى في استقرار سوريا القوي تهديداً لمصالحها أو نفوذها التاريخي.
- خلايا المليشيات العابرة للحدود: التي فقدت امتيازاتها الاقتصادية والأمنية بسقوط المنظومة السابقة.
الاقتصاد يواجه الترهيب: صفقات إيرباص وتوتال
يخطئ من يظن أن المستثمر الدولي يهرب عند أول صوت لانفجار بدائي. إن العقلية الرأسمالية الحديثة تعتمد على "التقييم البنيوي" لا على "الحوادث العارضة". الزيارة الفرنسية لم تكن بروتوكولية فحسب، بل كانت زلزالاً اقتصادياً يحمل في طياته:
- اتفاقيات طاقة ضخمة: تقودها شركة "توتال إنيرجي" لإعادة إحياء القطاع النفطي.
- تحديث الأسطول الجوي: عبر صفقات مرتقبة مع شركة "إيرباص" لكسر عزلة السماء السورية.
- استثمارات لوجستية: تشمل الشحن والطاقة وإعادة تدوير الأصول المجمدة.
إن هذه الشركات العملاقة تدرك أن بناء الدول عملية تراكمية، وأن الثغرات الأمنية في بلدٍ خرج للتو من حرب دامت 14 عاماً هي أمر متوقع ومقدور عليه تقنياً ولوجستياً.
الأمن التشاركي: سد البقع العمياء في المنظومة الناشئة
يكشف اختراق منطقة خاضعة لاستنفار أمني عالٍ عن وجود "بقع عمياء" في المنظومة الاستخباراتية السورية التي لا تزال في طور التشكل. إن تحقيق الاستقرار في سوريا يتطلب اليوم الانتقال من "الأمن الخشن" المعتمد على الحواجز، إلى "الأمن الذكي" المعتمد على:
- التقنيات الحديثة: مثل كاميرات المراقبة المتقدمة وأجهزة التشويش اللاسلكي.
- الأمن التشاركي: بناء جسور الثقة بين المواطن وأجهزة الدولة ليكون المجتمع هو الحارس الأول.
- تطهير المؤسسات: معالجة الاختراقات المحتملة من بقايا المنظومات السابقة.
رؤية أدبية ختامية
إن قطار التاريخ السوري قد غادر محطة الصراعات الصفرية، ولن توقفه عبوات بدائية الصنع مهما علا ضجيجها. إن الدولة، كالكائن الحي، قد تمرض ببعض الندوب الأمنية، لكنها اليوم تملك إرادة الشفاء. إن زيارة ماكرون، وما تبعها من إصرار دولي على الانفتاح، تؤكد أن العالم قد حسم خياره: سوريا المستقرة هي مصلحة كونية، والعبث بأمنها هو رهان خاسر على زمنٍ ولى ولن يعود.



اترك تعليقاً