قلعة الشقيف: شموخ الحجر في مهب رياح الدعاية العسكرية
تتربع قلعة الشقيف على عرش صخري يطاول عنان السماء، فهل تحولت هذه المنارة التاريخية اليوم إلى مسرح لعملية دعائية يبحث فيها جيش الاحتلال عن نصر معنوي مفقود؟ أعلن الجيش الإسرائيلي إحكام سيطرته على هذه القلعة الاستراتيجية، مما أثار تساؤلات عميقة حول القيمة العسكرية الحقيقية لهذا التقدم في ظل حرب العصابات الحديثة التي لا تعترف بالحصون التقليدية.
جغرافيا السيادة: أرقام تتحدث بلغة الاستراتيجية
تمثل قلعة الشقيف نقطة ارتكاز جيوسياسية بالغة الحساسية، فهي تتجاوز كونها بناءً أثرياً لتشكل عيناً راصدة تطل على تفاصيل المشهد اللبناني والفلسطيني:
- الارتفاع الشاهق: تتربع القلعة على ارتفاع يتجاوز 700 متر فوق سطح البحر، مما يمنحها سيطرة بصرية مطلقة.
- المدى العملياتي: تشرف مباشرة على مستوطنة المطلة بمسافة تقل عن 4 كيلومترات، مما يعزز قيمتها الاستخباراتية.
- التحكم الميداني: تمنح من يسيطر عليها قدرة فائقة على رصد نهر الليطاني، ووادي السلوقي، ومحاور النبطية ومرجعيون.
- النفوذ الجغرافي: تمتد رقابتها لتشمل مناطق أرنون، كفرتبنيت، ويحمر، وزوطر، وصولاً إلى القطاع الشرقي من الجنوب.
بين الصورة والواقع: هل سقطت القلعة أم سكنها الوهم؟
يرى مراقبون أن الضجيج الإعلامي الإسرائيلي حول السيطرة على القلعة يتجاوز واقعها الميداني الراهن. فقد وصف الناشط فؤاد خريس المشاهد التي بثها الاحتلال بأنها "فيلم دعائي" بامتياز؛ إذ ظهر الجنود وهم يسيرون بغير مدرعات، مما يوحي بتسلل خلفي لالتقاط صور تخدم الأجندة السياسية لبنيامين نتنياهو، قبل أن يواجهوا استحقاقات البقاء المريرة في منطقة لا تزال تشتعل تحت أقدامهم.
استراتيجية الأنفاق مقابل "هيبة" القلاع
في الحروب المعاصرة، تغيرت مفاهيم الدفاع تغيراً جذرياً. يوضح الكاتب ياسين عز الدين أن المقاومة اليوم تخلت عن التحصن داخل جدران حجرية صماء، فالفكر العسكري الحديث يعتبر القلاع أهدافاً ثابتة وسهلة المنال أمام القوة النارية الكثيفة. وبدلاً من ذلك، تعتمد التكتيكات الحالية على:
- الانتشار الشبكي: الاعتماد الكلي على الأنفاق والاختفاء تحت الأرض.
- الهجمات الخاطفة: شن ضربات سريعة لاستنزاف العدو دون التمسك بمواقع جغرافية جامدة.
- الفاعلية التقنية: استخدام المسيرات والصواريخ الدقيقة التي لا تحتاج إلى قمم الجبال لتصل إلى أهدافها بقاتلية عالية.
عُقدة الماضي وشبح عام 1982
يعيد المشهد الحالي للأذهان ذكريات عام 1982، حين اجتاحت القوات الإسرائيلية القلعة بعد معركة طاحنة كلفتها عشرات القتلى من قوات النخبة. يحلل الصحفي تامر قديح هذه "النشوة" الإسرائيلية بأنها محاولة لانتزاع نصر معنوي على مآسي الماضي وعقده النفسية، وليس على معطيات الحاضر. فالتاريخ يخبرنا أن القلعة التي زارها بيغن وشارون قديماً لالتقاط صورة النصر، تحولت لاحقاً إلى فخ استنزاف دائم للمحتل حتى انسحابه الذليل عام 2000.
استنزاف لا ينتهي: صواريخ المطلة تتكلم
لم تكد تمر ساعات على تقديم احتلال قلعة الشقيف كإنجاز يحمي المستوطنات الشمالية، حتى دوت صفارات الإنذار في مستوطنة المطلة، معلنة سقوط صواريخ أطلقت من قلب الجنوب. هذا الواقع الميداني يثبت قاعدة يطرحها الإعلامي سامر حاج علي: يكمن التحدي الحقيقي في القدرة على الاستقرار وتحمل أكلاف البقاء، وهو ما يتجاوز مجرد الوصول الجغرافي العابر. فالجيش الذي يقاتل على أطراف زوطر ودبين ويحمر ويتكبد خسائر فادحة، يدرك أن الوقوف على قمة الجبل لا يعني امتلاك الأرض.
الخاتمة:
ستبقى قلعة الشقيف شاهداً صامتاً على تعاقب الغزاة، تمنحهم وهم العظمة بجمود حجارتها، بينما تظل الأرض في أسفلها تنبض بحياة المقاومة. إن النصر الحقيقي لا يُصنع برفع علم فوق أطلال تاريخية، بل بالقدرة على الصمود في الميدان دون استنزاف، وبامتلاك الإرادة التي لا تكسرها القمم ولا تحميها الحصون.



اترك تعليقاً