قوة خفية في أعماق الأطلسي: دراسة تكشف أسرار تشكل أخدود «كينغز تروف» العملاق

قوة خفية في أعماق الأطلسي: دراسة تكشف أسرار تشكل أخدود «كينغز تروف» العملاق

على اليابسة، نحتت الأنهار الجارية عبر العصور أخاديد دراماتيكية مذهلة مثل «الأخدود العظيم» (Grand Canyon). ومع ذلك، لا يمتلك المحيط أنهاراً قادرة على نحت الصخور بهذا الحجم، لكن قاعه يضم معالم تضاريسية هائلة تتجاوز في ضخامتها أكبر الأخاديد البرية. ومن أبرز هذه المعالم ما يعرف بـ «مجمع كينغز تروف» (King’s Trough Complex)، وهو هيكل بحري شاسع يمتد لمسافة 500 كيلومتر تقريباً قبالة سواحل البرتغال، ويضم سلسلة من الخنادق المتوازية والأحواض العميقة، بما في ذلك «منخفض بيك» (Peake Deep)، أحد أعمق النقاط في المحيط الأطلسي.

لغز التكوين: كيف انشق قاع المحيط؟

لطالما تساءل العلماء عن القوى الجيولوجية التي تسببت في نشوء هذا التكوين الهائل. وفي دراسة حديثة نشرتها دورية (G-Cubed) الصادرة عن الاتحاد الجيوفيزيائي الأمريكي، كشف فريق بحثي دولي بقيادة مركز «جيومار» (GEOMAR) لهيلمولتز لأبحاث المحيطات في كييل، عن أدلة جديدة تفسر نشأة هذا الأخدود. تشير النتائج إلى أنه قبل ما يتراوح بين 37 و24 مليون سنة، مر حدود صفيحة تكتونية تفصل بين قارتي أوروبا وأفريقيا عبر هذا الجزء من شمال المحيط الأطلسي.

منهجية البحث: سبر أغوار الماضي الجيولوجي

اعتمدت الدراسة على بيانات جمعتها الرحلة الاستكشافية (M168) على متن سفينة الأبحاث «ميتيور» (METEOR) في عام 2020. استخدم الفريق سوناراً عالي الدقة لإنتاج خرائط تفصيلية لقاع البحر، ثم قاموا باستخراج عينات من الصخور البركانية من أجزاء مختلفة من نظام الخنادق باستخدام جرافات خاصة. وفي المختبرات، تم فحص التركيب الكيميائي للصخور وتحديد أعمارها بدقة في جامعة ويسكونسن بالولايات المتحدة. كشفت هذه التحليلات أن القشرة المحيطية في تلك المنطقة كانت قد تعرضت لعملية تسخين وتسمك غير عادية نتيجة صعود مادة ساخنة من دثار الأرض (Earth’s Mantle)، وهي ظاهرة تُعرف باسم «ريشة الدثار» (Mantle Plume)، ويُعتقد أنها كانت مقدمة لريشة دثار جزر الأزور الحالية.

الأهمية العلمية: تفاعل الدثار والقشرة

تكمن الأهمية العلمية لهذا الاكتشاف في تفسير «لماذا هذا المكان تحديداً؟». توضح الدكتورة أنتييه دوركيفيلدن، الباحثة الرئيسية في «جيومار»، أن القشرة التي تعرضت للتسخين والتسمك أصبحت أضعف ميكانيكياً، مما جعلها عرضة للانكسار بسهولة عندما تحركت الصفائح التكتونية. ومع انزياح حدود الصفائح، تم سحب القشرة وتمزيقها تدريجياً من الشرق إلى الغرب، في عملية تشبه إلى حد كبير فتح «سحاب الملابس» (Zipper). يقدم «كينغز تروف» مثالاً حياً على كيفية تحضير العمليات العميقة في دثار الأرض للقشرة لعمليات التشوه اللاحقة، مما يحدد المواقع التي ستنشأ فيها الصدوع والأخاديد الكبرى.

آفاق مستقبلية وفهم ديناميكيات الأطلسي

لا تقتصر أهمية هذه النتائج على فهم الماضي فحسب، بل تسلط الضوء على التاريخ الجيوديناميكي الأوسع للمحيط الأطلسي وتساعد في التنبؤ بالعمليات الحالية. ويشير الباحثون إلى أن عمليات مشابهة قد تكون قيد التنفيذ اليوم بالقرب من جزر الأزور، حيث يتشكل نظام خنادق مشابه يسمى «صدع تيرسيرا» (Terceira Rift) في منطقة تتميز أيضاً بقشرة محيطية سميكة بشكل غير طبيعي. إن فهم هذه القوى الخفية تحت القاع يسهم في رسم صورة أكثر دقة لتطور كوكبنا وكيفية تشكل تضاريسه الأكثر غموضاً.


المصدر العلمي: ScienceDaily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *