قيام ليل رمضان: دليل الفوز بالرحمات والتحذير من الغفلات

# قيام ليل رمضان: بين اغتنام الطاعات وضياع الساعات

الحمد لله الذي جعل رمضان ميداناً للمتسابقين، ومحطةً لتزويد القلوب بنور الإيمان، والصلاة والسلام على من سنَّ لنا القيام والتهجد، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛ فإن شهر رمضان ليس مجرد أيامٍ تُطوى، بل هو فرصة العمر التي قد لا تتكرر، وهو زمنٌ شريف خصه الله بفضائل لا تُحصى، لاسيما في ليله الذي يعد مدرسة المتقين وملاذ الخاشعين.

ليل رمضان: خلية نحل من الطاعة

إن المتأمل في أحوال الأمة خلال ليل هذا الشهر المبارك، يجد صوراً مشرقة من الإقبال على الله. فالشهر هو شهر العمل والجد، وفيه نزل القرآن الكريم على قلب نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- ليكون هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. وفي ظلال هذا الليل، ترى المؤمنين يتسابقون إلى بيوت الله، يحيون ليلهم بالطاعة والذكر، كأنهم في حركتهم ودؤوبهم خلية نحل لا تهدأ، يبتغون فضلاً من الله ورضواناً.

لقد اجتمع هؤلاء المؤمنون على صلاة التراويح في جماعة، يحدوهم الأمل في نيل موعود الله، مستكثرين من الخيرات، وطامعين في أن تُكتب أسماؤهم في ديوان العتقاء. إن هذا المشهد الإيماني المهيب يعكس وحدة الأمة وتآلف قلوبها على مائدة القرآن والقيام.

البيوت في رمضان.. محاضن للإيمان

ولا يقتصر الخير على المساجد فحسب، بل تمتد أنوار الطاعة لتشمل البيوت. ففي البيت المسلم، يجتمع الأهل والخلان على مائدة الاستزادة من الإيمان. يجمع الأب أبناءه وأهله، لا لضياع الوقت، بل لقراءة القرآن وتدبر آياته. هكذا يُحيون الليل ساعة بعد ساعة، في جوٍ مفعم بالسكينة والوقار.

وبعد ساعات من الذكر والتلاوة، يأوي الجميع إلى فراشهم لنيل قسط من الراحة، ثم لا يلبثون أن يستيقظوا على نداء السحور، ذلك الوقت المبارك الذي تتنزل فيه الرحمات. إن في هذا النمط من الحياة تكمن السعادة الحقيقية، وبالحبور والسرور تزدان أيامهم ولياليهم، فهم في طاعةٍ منذ إفطارهم وحتى سحورهم.

الشفاعة المزدوجة: الصيام والقرآن

إن هذا الجهد الذي يبذله المؤمن في قيام ليل رمضان لا يضيع سدى، بل هو رصيدٌ مدخر ليوم الفقر والفاقة. وكما قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «الصِّيام والقُرآن يشفعان للعبْدِ يوم القيامة»؛ (تحقيق الألباني: حديث حسن صحيح، انظر الحديث رقم 984 صحيح الترغيب والترهيب).

تأمل أخي الصائم هذا المشهد: الصيام يشفع لك لتركك الطعام والشهوة، والقرآن يشفع لك لقيامك به في جوف الليل. أي كرامة بعد هذه الكرامة؟ وأي شرف أسمى من أن يكون كلام الله شفيعاً لك في موقف القيامة العظيم؟

صفات المتهجدين في القرآن الكريم

لقد مدح الله عز وجل أولئك الذين يهجرون لذة النوم من أجل لذة المناجاة، فقال سبحانه: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة: 16]. هؤلاء هم الذين عرفوا قيمة الوقت، فجعلوا من ليلهم عُدةً لصبرهم، وميداناً لاستغفارهم في وقت السحر.

فاغتنموا -أيها الأحبة- هذه الفرصة الذهبية، فلا أحد يدري متى ينقضي العمر، ومتى يُغلق باب العمل. إن عُدة الصابرين الحقيقية هي ذلك الاستغفار بالأسحار، حيث ينزل الرب تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله، فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ قال الله تعالى: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17].

فضل صلاة التراويح وجماعة المسجد

من أجمل ما يميز رمضان تلك العبادة التي تزيد في رصيد الطاعات، وهي صلاة التراويح في المسجد مع الجماعة. إنها لحظات تتحد فيها الأبدان والقلوب خلف إمام واحد، يرتلون آيات الله. وكما قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الرَّجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب الله له بقيَّة ليلته»؛ (حديث صحيح، صلاة التراويح للشيخ الألباني).

هذا الحديث يحمل بشارة عظيمة؛ فمن صلى التراويح كاملة مع الإمام حتى ينتهي، فكأنما قام الليل كله، ولو نام على فراشه بقية ليلته. فاغنم هذه الفرصة ولا تفرط فيها، لتنل الرضا والسلام النفسي، وتُكتب من القائمين.

مناجاة السحر: وقفات منكسرة

في وقت السحر، تصفو النفوس وتسكب العبرات، وهناك يجد المؤمن حلاوة المناجاة. وكما قال الشاعر في وصف هذا الحال:

وَقَـفْــتُ بِـالأسْـحَـارِ سَـأَلْـتُ اللهَ مِـنْـهُ الـعَـافِـيَـة
وَمَـنْ لِـي سِـوَاهُ مُـعَـافِـيَـا
وَقَـفْـتُ بِـبَـابِـهِ مُـنْـكَـسِـرًا رَاجِـيَـا
فَـهُـوَ الكَـرِيـمُ وَمَا رَدَّ بِـبَـابِـهِ رَاجِـيَـا
نَـاجَـيْـتُ بِاسْمِـهِ وَنَادَيْتُ عَالِيَا
وَقَـفْـتُ لَـهُ بِـالأسْـحَـارِ مُـنَـاجِـيَـا
فَـلَـعَـلِّي أَكُـونَ بِـرَحْـمَـتِـهِ نَـاجِـيَـا
أَنْتَ العَـلِيـمُ فَـقَدْ عَـلِـمْـتَ مَا بِـي
فَارْحَمْنِي يَا إِلَهِي وَهَوِّنْ حِسَابِي
وَيَا رَبِّ تَقَبَّلْ مِـنِّـي طَاعَاتِي
وَأَدْخِـلْـنِي جَـنَّـةً قُـطُـوفُـهَا دَانِيَة
مِـنْ إِحْدَى الأَبْوَابِ الثَّمَانِيَة
مَعَ الحَبِيبِ مُحَمَّدٍ وَفِرْقَتِهِ النَّاجِيَة

التحذير من قيام الليل بالمعصية

على الجانب الآخر، نجد صورة مؤلمة لبعض الصائمين الذين كابدوا الجوع والعطش في نهارهم الطويل، ولكن بمجرد أن ينقضي النهار ويأتي الليل، يتبدل حالهم. هؤلاء الذين باعهم في الالتزام قليل، يقضون ليلهم أمام القنوات الفضائية، يتابعون برامج التهريج والتسلية التي تُبنى على المعصية.

إن المسلسلات الاجتماعية والأفلام الكوميدية التي تتسابق القنوات على عرضها، تهدف في كثير من الأحيان إلى إفساد صيام الصائم وإضاعة ليله. لقد أصبح الشهر عند هؤلاء ليس شهر القرآن، بل شهر الفن والفنون، وأغراضهم تجارية بحتة، لا يبالون أأطاع الصائم ربه أم عصاه. إن الأمر جدُّ خطير؛ فمن لم يرغب بهذه التسلية الممزوجة بالمعصية، فليغير القناة إلى ما ينفعه من برامج الثقافة والدعوة والعلم.

لهو الليل وتبديد الأجور

ومن صور ضياع ليل رمضان، انخراط بعض الصائمين في سهرات لعب الورق (الكوتشينة) أو الجلوس في المقاهي، ظانين أن هذا لا يخرج عن المألوف. والحقيقة أنها مضيعة للوقت وفوات للأجر. ولا حول ولا قوة إلا بالله، إذ لا تحلو جلساتهم إلا مع الدخان أو “الشيشة”، التي تجرأ البعض وسمّاها “الشيشة الرمضانية”.

كيف يُرفق اسم شهر الله والقرآن بما هو من عمل الشيطان؟ لقد أجمع أهل العلم على تحريم الدخان، فما بالك به في شهر رمضان؟ إن رمضان شهر الطهارة والسمو، فكيف يلوثه العبد بهذه المحرمات؟ إن من ظن أن الليل في رمضان ليس من رمضان، وأن المعاصي فيه مباحة، فقد أخطأ فهم حقيقة الصيام؛ إذ إن قيام الليل بالطاعة هو من كمال الصيام.

الوعيد والحرمان من المغفرة

لقد رتب النبي -صلى الله عليه وسلم- المغفرة على الإيمان والاحتساب في الصيام والقيام، فقال: «مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه»؛ (تحقيق الألباني: حديث صحيح، انظر حديث رقم: 6326 في صحيح الجامع). وقال أيضاً: «مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تَقَدَّمَ من ذنبه»؛ (تحقيق الألباني: حديث صحيح، انظر حديث رقم: 6440 في صحيح الجامع).

فأين هؤلاء الغافلون من هذا الوعد النبوي؟ إنهم يسهرون على المعاصي، ثم يشعرون بالنعاس قبيل السحور، فيتركون هذه السنة المباركة، ويتركون صلاة الفجر وهم عنها لاهون. لقد ضيعوا فضلاً عظيماً، فقد قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تعالى وملائكته يصلون على المتسحرين»؛ (تحقيق الألباني: حديث حسن، انظر حديث رقم: 1844 في صحيح الجامع).

وكذلك ضيعوا حفظ الله لهم، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «مَن صلَّى الغداةَ كان في ذمَّة الله حتَّى يُمسي»؛ (تحقيق الألباني: حديث صحيح، انظر حديث رقم: 6343 في صحيح الجامع).

الخاتمة: دعوة للاستدراك

يا خيبة من وضع رأسه على الوسادة ولم يسأل نفسه: كم فرطتُ من العبادة؟ وكم أضعتُ من الأجر والسعادة؟ إن النهار يضيع بين تذمر من العمل أو نوم طويل، والليل يضيع في لهو غير مباح. وبذلك يضيع الأجر العظيم.

أخي المسلم، استدرك ما فاتك، واجعل ليلك في رمضان نوراً وطاعة، واجعل من سحورك وقتاً للاستغفار، ومن صلاتك مع الإمام وسيلة للعتق. نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام، وأن يجعلنا من المقبولين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *