كشف النقاب عن خزان مياه عذبة هائل تحت بحيرة الملح الكبرى: آفاق جديدة في الهيدرولوجيا الجيوفيزيائية

كشف النقاب عن خزان مياه عذبة هائل تحت بحيرة الملح الكبرى: آفاق جديدة في الهيدرولوجيا الجيوفيزيائية

مقدمة: مفاجأة هيدرولوجية تحت القشرة الملحية

لطالما عُرفت بحيرة الملح الكبرى في ولاية يوتا الأمريكية بأنها أكبر بحيرة نهائية (Terminal Lake) في النصف الغربي من الكرة الأرضية، وهي بيئة مفرطة الملوحة تتحدى معظم أشكال الحياة. ومع ذلك، كشفت دراسة حديثة نُشرت في دورية “ساينتيفيك ريبورتس” (Scientific Reports) التابعة لمجموعة “نيتشر”، عن وجود نظام مياه جوفية عذبة ضخم يختبئ تحت قاع البحيرة. هذا الاكتشاف، الذي قاده باحثون من جامعة يوتا، يقلب المفاهيم السائدة حول كيفية تفاعل المياه العذبة والمالحة في الأنظمة البيئية المغلقة، ويقدم بصيص أمل لمواجهة الأزمات البيئية التي تعصف بالمنطقة.

منهجية البحث: التكنولوجيا الكهرومغناطيسية الجوية

اعتمد الفريق البحثي، بقيادة البروفيسور مايكل جدانوف، أستاذ الجيولوجيا والجيوفيزياء المتميز، على تقنية متطورة تُعرف بالمسح الكهرومغناطيسي الجوي (Airborne Electromagnetic Surveys – AEM). تم تنفيذ هذه المهمة عبر طائرات مروحية مزودة بمستشعرات معلقة تقوم بقياس المقاومية الكهربائية للطبقات الجوفية. ونظراً لأن المياه المالحة موصل جيد للكهرباء بينما تتمتع المياه العذبة بمقاومية عالية، تمكن الفريق من التمييز بينهما بدقة مذهلة.

غطى المسح، الذي تم في أوائل عام 2025، مساحات واسعة من “خليج فارمينغتون” وجزيرة “أنتيلوب”. ومن خلال دمج البيانات الكهرومغناطيسية مع القياسات المغناطيسية، نجح الباحثون في إنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد (3D) تصل إلى أعماق تتراوح بين 3 إلى 4 كيلومترات (حوالي 10,000 إلى 13,000 قدم)، مما سمح بتحديد حدود صخور القاعدة وحجم الرواسب المشبعة بالمياه.

الاكتشاف العلمي: مياه عذبة في قلب الملوحة

أظهرت النتائج أن المياه العذبة تملأ الرواسب تحت الطبقة الملحية السطحية الرقيقة مباشرة، بدءاً من عمق 10 أمتار فقط في بعض المناطق. والمثير للدهشة هو النمط الهيدرولوجي غير المتوقع؛ فوفقاً لعلم الهيدرولوجيا التقليدي، يُتوقع أن تشغل المحاليل الملحية الكثيفة الحجم الكامل تحت البحيرة، بينما تبقى المياه العذبة القادمة من الجبال عند الأطراف.

لكن البيانات كشفت أن المياه العذبة تندفع نحو الداخل، تحت عدسة الملوحة السطحية، لتصل إلى عمق كيلومترات. وقد رُصدت هذه الظاهرة لأول مرة من خلال ملاحظة تلال دائرية غريبة في المناطق الجافة من قاع البحيرة، مغطاة بنباتات “الفرغميت” (القصيب) الكثيفة التي لا تنمو إلا في المياه العذبة، مما يشير إلى وجود ضغط ارتوازي يدفع هذه المياه إلى السطح عبر شقوق في الطبقات غير المنفذة.

الأهمية العلمية والبيئية: مكافحة الغبار السام

لا تقتصر أهمية هذا الاكتشاف على الجانب الأكاديمي، بل تمتد لتشمل حلولاً عملية لأزمة بيئية متفاقمة. مع انخفاض مستويات مياه البحيرة، تعرضت مئات الأميال المربعة من القاع للهواء، مما حولها إلى مصدر للعواصف الغبارية المحملة بالمعادن الثقيلة السامة مثل الزرنيخ.

يشير الباحث بيل جونسون، المشارك في الدراسة، إلى إمكانية استخدام هذه المياه الجوفية العذبة -بشكل مدروس- لترطيب “البؤر الساخنة” للغبار. ويقول جونسون: “الهدف الأساسي هو فهم ما إذا كان بإمكاننا استخدام هذه المياه لري المناطق الجافة دون الإخلال بالنظام الهيدرولوجي العميق، وهو حل عملي جداً قد يغنينا عن محاولات ملء البحيرة بأكملها التي تبدو صعبة المنال حالياً”.

الآفاق المستقبلية: نحو مسح شامل للبحيرة

رغم أن الدراسة الحالية غطت جزءاً صغيراً فقط من البحيرة، إلا أنها أثبتت كفاءة تكنولوجيا AEM في رسم الخرائط الجوفية المعقدة. يطمح الفريق البحثي الآن لتوسيع نطاق المسح ليشمل كامل مساحة البحيرة البالغة 1,500 ميل مربع. هذا المسح الشامل سيمكن الإدارة المحلية للمياه من اتخاذ قرارات مبنية على بيانات دقيقة، كما سيوفر نموذجاً عالمياً لكيفية استكشاف وإدارة الموارد المائية في البحيرات النهائية حول العالم، والتي تواجه تهديدات مماثلة بسبب التغير المناخي والاستهلاك المفرط للمياه.


المصدر العلمي: ScienceDaily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *