مقدمة: استكشاف أعماق الكوكب الأصعب من ارتياد الفضاء
لطالما كان الوصول إلى أعمق أجزاء كوكب الأرض تحديًا يفوق في صعوبته السفر عبر الفضاء السحيق؛ فبينما قطعت المركبات الفضائية البشرية مسافة تقارب 25 مليار كيلومتر خارج كوكبنا، لم تنجح عمليات الحفر تحت سطح الأرض في تجاوز عمق 12 كيلومترًا إلا بقليل. هذا القصور المادي جعل معرفتنا بما يحدث في أعماق السحيقة تعتمد كليًا على الاستنتاجات العلمية والنمذجة الفيزيائية، لا سيما عند المنطقة الفاصلة بين الوشاح واللب، وهي المنطقة الأكثر أهمية وحيوية في باطن الأرض.
اليوم، تفتح دراسة جديدة نُشرت في دورية Nature Geoscience آفاقًا غير مسبوقة لفهم السلوك المغناطيسي غير المتوقع للأرض، كاشفةً عن وجود هياكل صخرية عملاقة وخفية تلعب دور المايسترو في توجيه المجال المغناطيسي الذي يحمي كوكبنا.
الاكتشاف: كتل حرارية عملاقة تحت أفريقيا والمحيط الهادئ
نجح فريق بحثي بقيادة جامعة ليفربول في تحديد أدلة مغناطيسية تشير إلى وجود تكوينين صخريين هائلين وشديدي الحرارة في قاعدة وشاح الأرض، وتحديدًا على عمق يصل إلى 2900 كيلومتر. تقع هذه الهياكل الصخرية الصلبة تحت قارة أفريقيا والمحيط الهادئ، وهي محاطة بحلقة من المواد الأبرد التي تمتد من القطب إلى القطب.
ما يميز هذا الاكتشاف هو الربط بين هذه الكتل الصخرية العميقة وبين حالة اللب الخارجي السائل الذي يقع أسفلها مباشرة. تشير النتائج إلى أن هذه الأجسام العملاقة قد ساهمت في صياغة سلوك المجال المغناطيسي للأرض لمئات الملايين من السنين، من خلال تأثيرها الحراري المباشر على حركة المعادن المنصهرة.
المنهجية العلمية: دمج المغناطيسية القديمة بالمحاكاة الفائقة
لم يكن من السهل إعادة بناء المجالات المغناطيسية الغابرة ونمذجة العمليات التي ولدتها. اعتمد العلماء في دراستهم على دمج مسارين بحثيين معقدين:
- بيانات المغناطيسية القديمة (Palaeomagnetic Data): وهي السجلات المغناطيسية المحفوظة في الصخور عبر العصور الجيولوجية.
- نماذج الجيودينامو (Geodynamo Simulations): وهي محاكاة حاسوبية متقدمة لحركة الحديد السائل في اللب الخارجي، وهي العملية المسؤولة عن توليد المجال المغناطيسي للأرض بطريقة تشبه عمل التوربينات المولدة للكهرباء.
باستخدام الحواسيب الفائقة، تمكن الفريق من إعادة إنشاء الملامح الرئيسية للسلوك المغناطيسي للأرض على مدار الـ 265 مليون سنة الماضية، وهو مجهود حسابي هائل كشف عن تباينات حرارية حادة عند حدود اللب والوشاح.
الأهمية العلمية: كسر فرضية “المغناطيس المثالي”
كشفت النتائج أن الحد العلوي للب الخارجي لا يتمتع بدرجة حرارة موحدة كما كان يُعتقد سابقًا. بدلاً من ذلك، توجد مناطق ساخنة موضعية تقع مباشرة تحت الهياكل الصخرية القارية، مما يؤدي إلى ظاهرة فيزيائية مثيرة للاهتمام؛ حيث يميل الحديد السائل في اللب إلى “الركود” تحت المناطق الساخنة بدلاً من التدفق بقوة كما يحدث تحت المناطق الأكثر برودة.
يقول البروفيسور آندي بيجين، أستاذ الجيومغناطيسية بجامعة ليفربول: “تشير هذه النتائج إلى وجود تناقضات حرارية قوية في الوشاح الصخري فوق اللب مباشرة. وهذا يتحدى الافتراض العلمي السائد بأن المجال المغناطيسي للأرض، عند متوسطه لفترات طويلة، يتصرف كمغناطيس قضيب مثالي محاذٍ لمحور دوران الكوكب”.
الآثار المستقبلية وتطور فهمنا للأرض
تتجاوز أهمية هذه الدراسة مجرد فهم باطن الأرض؛ فلها انعكاسات كبرى على عدة مجالات علمية:
- الجغرافيا القديمة: ستساعد هذه النتائج في حل الألغاز المتعلقة بتكوين وتفكك القارات العظمى مثل قارة “بانجيا” (Pangaea).
- المناخ وعلم الأحياء القديم: من خلال توفير سجل أكثر دقة للتغيرات المغناطيسية، يمكن للعلماء فهم كيف أثرت تقلبات المجال المغناطيسي على المناخ القديم وتطور الكائنات الحية.
- الموارد الطبيعية: يساعد فهم الديناميكيات الداخلية للأرض في تحسين نماذج استكشاف وتشكل الثروات المعدنية والطبيعية.
إن عمل مجموعة أبحاث DEEP بجامعة ليفربول يثبت أن سجلات المجال المغناطيسي القديم ليست مجرد أداة لمعرفة الماضي، بل هي مفتاح أساسي لفهم التطور الديناميكي المستقبلي لكوكبنا وخصائصه الأكثر استقرارًا.
المصدر العلمي: ScienceDaily


اترك تعليقاً