ربما لا تقضي الكثير من وقتك في التفكير في قوانين حقوق الطبع والنشر (Copyright)، ولكن إذا كنت ترغب في فهم سبب تراكم الدعاوى القضائية ضد شركات الذكاء الاصطناعي، فإن فهم هذه القوانين هو المفتاح. وسواء كنت تدرك ذلك أم لا، فإن هذه القضايا تمسك في جوهرها.
إذا سبق لك أن كتبت تدوينة، أو التقطت صورة، أو أنشأت مقطع فيديو أصلياً، فأنت صاحب حق مؤلف. وهذا يشمل معظمنا، مما يعني أن قوانين حقوق الطبع والنشر -بحماياتها وقيودها وتطبيقاتها- أكثر صلة بك مما قد تعتقد. وللأسف، أصبحت حقوق الملكية في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) حالة من الفوضى القانونية.
السباق المحموم نحو المحتوى البشري
لا تظهر سباقات تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً أي علامات على التباطؤ. ومن أجل إنشاء نماذج الجيل القادم، تبحث شركات التقنية عن كميات هائلة من المحتوى عالي الجودة الذي أنتجه البشر. إنهم بحاجة إلى هذه الأعمال لتحسين نماذجهم، سواء كان ذلك لمنح روبوتات الدردشة شخصية أكثر واقعية أو لتزويد مولدات الصور بمزيد من الأساليب الفنية المرجعية. وفي المقابل، يتساءل المبدعون عما إذا كان من الممكن الحصول على حماية لحقوق الطبع والنشر لأعمالهم التي ساعد الذكاء الاصطناعي في إنتاجها.
لقد كانت معظم شركات الذكاء الاصطناعي غامضة للغاية بشأن المحتوى الذي تستخدمه، مما أدى إلى أكثر من 30 دعوى قضائية تشق طريقها عبر المحاكم الأمريكية. ولعل أبرزها قضية “نيويورك تايمز ضد OpenAI”، حيث تزعم الصحيفة أن ChatGPT استخدم قصص مراسليها حرفياً دون إسناد مناسب أو إذن مسبق.
ما هي حقوق الطبع والنشر فعلياً؟
وفقاً لقانون حقوق الطبع والنشر لعام 1976، فإن حقوق النشر هي مجموعة من الحقوق المعلنة التي تحمي “أعمال التأليف الأصلية المثبتة في أي وسيط مادي للتعبير”. بعبارة أخرى، هي حماية قانونية تمنح المؤلفين الأصليين الحق في السيطرة على أعمالهم، سواء كانت كتباً، فنوناً، موسيقى، أفلاماً، برامج كمبيوتر، أو حتى تصاميم معمارية.
تتقاطع حقوق النشر مع الذكاء الاصطناعي في اتجاهين: الأول هو “المدخلات” (Input)، حيث توجد مخاوف بشأن استخدام الشركات لمواد محمية بشكل غير قانوني لتدريب نماذجها. والثاني هو “المخرجات” (Output)، حيث يرغب المستخدمون في معرفة ما إذا كانت الأعمال التي ينتجونها عبر أدوات مثل Midjourney أو ChatGPT قابلة للحماية القانونية.
هل يحمي القانون مخرجات الذكاء الاصطناعي؟
الإجابة هي: “يعتمد الأمر على الحالة”. وفقاً لمكتب حقوق الطبع والنشر الأمريكي، فإن الصور ومقاطع الفيديو التي يتم إنشاؤها بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي غير مؤهلة للحماية. ومع ذلك، هناك استثناءات؛ فإذا استخدمت أدوات الذكاء الاصطناعي للتعديل (مثل إزالة الكائنات أو تحسين الصوت) مع الإفصاح عن ذلك، فقد تحصل على الحماية. وفي حالات نادرة، يمكنك حماية عمل ناتج عن الذكاء الاصطناعي إذا أثبتّ أن مدخلاتك أو تلاعبك الإبداعي بالعناصر وصل إلى مستوى عالٍ من الابتكار البشري.
معضلة “الاستخدام العادل” (Fair Use)
تجادل شركات التقنية الكبرى مثل جوجل وOpenAI بأن استخدامها للمحتوى المحمي يندرج تحت بند “الاستخدام العادل”. هذا المبدأ القانوني يسمح باستخدام المحتوى دون إذن لأغراض محددة (مثل التعليم أو النقد الصحفي). وتعتمد المحاكم في تحديد ذلك على أربعة عوامل: غرض الاستخدام، طبيعة العمل، كمية الجزء المستخدم، والتأثير على القيمة السوقية للعمل الأصلي.
تضغط شركات التكنولوجيا بقوة من أجل استثناء “الاستخدام العادل” لأن ذلك سيوفر عليها مليارات الدولارات من رسوم الترخيص. وقد فازت شركتا Anthropic وMeta مؤخراً في قضايا مماثلة، حيث اعتبر القضاة أن استخدام الكتب المحمية كان “تحويلياً بشكل كبير”.
بين ازدهار الإنسانية والسياسة الاقتصادية
لا يشعر المبدعون بالرضا تجاه منح الشركات صكاً على بياض لاستغلال أعمالهم. وفي مارس الماضي، وقع أكثر من 400 كاتب وممثل ومخرج رسالة مفتوحة تطالب بعدم منح استثناءات لشركات التكنولوجيا، مؤكدين أن هذه الشركات تمتلك الموارد الكافية للدفع مقابل المحتوى.
في النهاية، يطرح الذكاء الاصطناعي سؤالاً فلسفياً عميقاً: هل وجدت قوانين الملكية الفكرية لتشجيع ومكافأة الازدهار البشري والإبداع الفردي؟ أم أنها مجرد أداة للسياسة الاقتصادية الصناعية؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي ستحاول المحاكم والقوانين الإجابة عليه في السنوات القادمة.
المصدر: CNET


اترك تعليقاً