مقدمة: رحلة الكبد في دروب الحياة
إن المتأمل في كنه هذه الحياة الدنيا يدرك يقيناً أنها جُبلت على كدر، وأنها دار ممر لا دار مقر، فمنذ اللحظة الأولى التي يستقر فيها الجنين نطفة في رحم أمه، تبدأ رحلة الإعداد والبلاء. يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]. وفي هذا المعنى الجليل، يذكر الإمام الخازن في تفسيره أن خلق الإنسان من هذه الأخلاط والأمشاج إنما كان لغاية عظمى وهي الابتلاء والامتحان. وما رُكب فينا السمع والبصر إلا لنكون أهلاً لهذا الاختبار؛ ففي التفسير أيضاً تقديم وتأخير معناه: فجعلناه سميعاً بصيراً لنبتليه.
لقد خُلق ابن آدم ليكابد مصائب الدنيا وأهوال الآخرة، فلا راحة لمؤمن إلا بلقاء ربه. يقول عز وجل: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4]. وعن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير “كبد” قال: أي في نصب وشدة. وقيل إن الإنسان يكابد غصص الدنيا وشدائد الآخرة. بل إن المعاناة تبدأ من لحظة الحمل، مروراً بالولادة والرضاع والفطام، وصولاً إلى كدح المعاش وسكرات الموت. إن أصل الكبد في اللغة هو الشدة، وقد قيل إنه ما خلق الله خلقاً يكابد ما يكابده ابن آدم، ورغم ذلك يظل الإنسان من أضعف الخلق بنيانًا، لكنه يحمل الأمانة العظمى.
رمضان.. الواحة الغناء في صحراء العمر
إذا كانت الحياة كلها معاناة ومقاساة، وصحراء قحلاء لا تكاد تنتهي رمالها الملتهبة، فإن من رحمة الرحيم الرحمن بعباده أن جعل في كل صحراء واحة، وفي كل ضيق مخرجاً. فما هي واحة حياتنا التي نلجأ إليها من هجير الذنوب ولفح الهموم؟
إن الجواب يكمن في ذلك الضيف العزيز الذي يطل علينا مرة كل عام؛ إنه شهر رمضان المبارك. تلك الواحة التي تأتي بعد إثني عشر شهراً من السير المجهد في دروب الدنيا. كلما أثقلت كاهلك الهموم، واشتد عليك هجير الشهوات، واغبرت روحك من غبار الغفلة، ناداك منادي الإيمان: أقبل على واحة رمضان. يدخلها المسافر على جوع وظمأ روحي، ويقبل عليها المؤمن بقلب مشتاق وجسد قد نال منه الوصب، ويطرق بابها المذنب بذل وإنابة.
ولعل سائلاً يسأل: إذا كانت واحات الصحراء تتميز بالماء والكلأ والظل، فبماذا تتميز واحة رمضان؟ يجيبنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين». تأمل معي أخي المؤمن في هذه الخصائص الفريدة؛ فأبواب الجنة التي قد تغلقها ذنوبنا طوال العام تفتح الآن على مصراعيها، وأبواب الجحيم تُوصد رحمةً بالعباد، والشياطين التي كانت توسوس وتحرض وتؤجج نيران المعصية تُصفد وتُغل، ليرتاح المؤمن من ذاك العنت، ويتفرغ لتهذيب روحه وترقية نفسه. أليست هذه هي الواحة الحقيقية؟
أشجار المغفرة وثمار الأعمال الصالحات
في هذه الواحة الرمضانية، نجد أشجاراً وارفة الظلال، لعل أعظمها “شجرة المغفرة”. هذه الشجرة لها ثلاثة أغصان رئيسية، كل غصن منها كفيل بأن يمحو تاريخاً من الخطايا:
1. غصن الصيام: وهو المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه» (متفق عليه).
2. غصن قيام الليل: والمتمثل في صلاة التراويح والتهجد، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه» (متفق عليه).
3. غصن ليلة القدر: وهي التاج الذي يزين هذه الواحة، فمن قامها غفر له ما تقدم من ذنبه كما ثبت في الصحيح.
ولا تقتصر ثمار هذه الواحة على المغفرة فحسب، بل تمتد لتشمل مضاعفة الأجور في كل عمل صالح. فالعمرة في هذا الشهر ليست كغيرها، إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عمرة في رمضان تقضي حجة أو حجة معي» (متفق عليه). لهذا كله، كان رمضان هو خير الشهور قاطبة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان» (رواه أحمد).
كيف نستعد لدخول الواحة؟ (خارطة طريق عملية)
إن رمضان ضيف عجول، ما إن يحل حتى يرحل، ولأننا نريد أن نكون من الفائزين فيه، لا بد من إعداد العدة قبل أن يهل هلاله. فكيف نستقبل هذا الضيف؟
أولاً: التوبة النصوح وتطهير الثياب
إن أول ما يجب علينا فعله عند أبواب هذه الواحة هو نفض غبار الدنيا عن أرواحنا. إن الذنوب تعمل كالغلاف أو الران على القلب، مما يمنعه من إبصار أنوار رمضان وتذوق حلاوة مناجاته. التوبة هي الغسل الروحي الذي يهيئك للقاء الله. لقد أمر الله المؤمنين كافة بالتوبة فقال: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31]. إنها البوابة التي تسقط بها الذنوب وتتبدل فيها السيئات حسنات، وهي الطريق الموصل للجنان: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ} [التحريم: 8].
ثانياً: النية الصادقة والعزم الأكيد
استقبل رمضان بنية صادقة على أن يكون هذا الشهر نقطة تحول في حياتك. اعقد العزم على الصيام التام، والقيام الخاشع، وتلاوة القرآن بتدبر، وصلة الأرحام، وإطعام الطعام. إن النية الصادقة هي التي تبلغك الأجر حتى لو حال بينك وبين العمل حائل من مرض أو سفر أو وفاة. يقول الله تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [النساء: 100]. فاجعل نيتك هي القوة المحركة لجوارحك في طريق الطاعة.
ثالثاً: التفرغ للعبادة والتخفف من الشواغل
إن دقائق رمضان أثمن من الذهب، وساعاته أغلى من الجواهر، لذا وجب علينا التخفف من شواغل الدنيا التي لا تنتهي. استمع إلى هذا النداء الرباني في الحديث القدسي الذي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم تفرغ لـعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت يديك شغلاً ولم أسد فقرك» (رواه الترمذي). إن التفرغ لا يعني ترك العمل بالكلية، بل يعني ترتيب الأولويات بحيث لا تسرق الدنيا وقت العبادة، ولا تضيع صلاة أو ورد قرآن بسبب انشغال لا طائل منه.
خاتمة: دعاء واستبشار
يا عباد الله، إن هلال رمضان يوشك أن يطل، ونفحاته تكاد تلامس القلوب المشتاقة. فالسعيد من هيأ قلبه، والشقي من حُرم خير هذا الشهر. لا نملك الآن إلا أن نرفع أكف الضراعة إلى المولى عز وجل أن يبلغنا هذا الشهر الكريم ونحن في أتم صحة وعافية، مقبلين عليه غير مدبرين.
«اللهم أهلله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله» (رواه الترمذي). اللهم اجعلنا ممن يصوم رمضان ويقومه إيماناً واحتساباً، واجعلنا فيه من عتقائك من النار. ولنفسح الآن المجال لقلوبنا لتفرح بفضل الله وبرحمته، فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون. استبشروا خيراً بهذا الضيف، وأروا الله من أنفسكم خيراً، فإنما هي أيام معدودات، فاجعلوها في طاعة رب الأرض والسماوات.

اترك تعليقاً