# لا تيأس من روح الله تعالى: رحلة العودة من ضيق اليأس إلى سعة الرحمة
إن حياة الإنسان في هذه الدنيا ليست طريقاً مفروشاً بالورود دائماً، بل هي مزيج من الابتلاءات، والمجاهدات، والتقلبات النفسية التي قد تهوي بالعبد أحياناً في مستنقع الخطايا. وفي غمرة هذه الصراعات، يجد المسلم نفسه محاصراً بين ضعف نفسه البشرية وبين كيد شيطان لا يفتر عن المحاولة لإيقاعه في شباك المعصية. ولكن، هل المعصية هي نهاية الطريق؟ وهل الذنب هو السد المنيع الذي يحول بين العبد وخالقه؟ إن الإجابة تكمن في استشعار عظمة رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء.
سيكولوجية النفس البشرية وصراع الغواية
يتعرَّض العبد المسلم في حياته اليومية للكثير من نزغات النفس ونفث الشيطان ونزغه، وهذه حقيقة جبلت عليها الطبيعة البشرية التي قد تضعف في لحظات الغفلة. إن هذا الضعف قد يترجم إلى ارتكاب بعض الخطايا والذنوب، وهنا يبدأ الفصل الأخطر من فصول الغواية؛ إذ لا يكتفي الشيطان بدفع العبد للذنب، بل يتبعه بوسوسة خبيثة تهدف إلى إحباط الروح وزرع بذور الاكتئاب والقنوط في القلب.
إن الشيطان يدرك تماماً أن العبد ما دام يرجو رحمة ربه، فهو في أمان، لذلك يحاول جاهداً أن يقطع حبال الرجاء، ويصور للعبد أن ذنوبه أكبر من أن تُغفر، وأن وجهته نحو الله قد انقطعت. هذا القنوط هو الداء العضال الذي يفتك بالسكينة الإيمانية، ويجعل الإنسان عرضة للاكتئاب الذي يشل حركته نحو الصلاح.
التوبة: المبادرة التي تفتح أبواب السماء
ولكن العبد المسلم، بفضل ما لديه من رصيد إيماني، ما أن يُبادِر للتوبة، وطلب المغفرة من الله تعالى، حتى يجد الله تعالى غفورًا رحيمًا. إن التوبة في الإسلام ليست مجرد كلمات تُقال باللسان، بل هي يقظة قلبية، وانتفاضة روحية تعلن العودة إلى حياض الطهر.
بمجرد أن يطرق العبد باب الاستغفار بصدق، تتلاشى غيوم اليأس، وتتبدد ظلمات المعصية. إن الله سبحانه وتعالى لا يريد من عبده الكمال المطلق الذي لا ذنب فيه، بل يريد منه الإنابة والرجوع كلما زلت به القدم. فالتوبة هي الجسر الذي يربط بين انكسار العبد وعزة الرب، وبين فقر المخلوق وغنى الخالق.
تجليات القرب الإلهي في الحديث القدسي
لقد جاءت النصوص النبوية لتبدد أي شك في قلب المذنب حول قبول الله له. فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله تعالى: أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرتُه في ملأ خيرٍ منهم، وإنْ تقرَّبَ إليَّ بشبر تقرَّبْتُ إليه ذراعًا، وإنْ تقرَّبَ إليَّ ذراعًا تقرَّبْتُ إليه باعًا، وإنْ أتاني يمشي أتيتُه هرولةً».
تأمل معي أيها القارئ في هذا الفيض من الحنان الإلهي. إن عبارة “أنا عند ظن عبدي بي” هي دستور الأمل؛ فإذا ظننت بالله خيراً، وظننت أنه سيغفر لك، وسيقبلك، وسيجبر كسر قلبك، فإنه سبحانه سيكون لك كما ظننت. أما إذا استسلمت لوساوس القنوط، فقد أسأت الظن بملك الملوك الذي سبقت رحمته غضبه.
ثم انظر إلى تدرج القرب: “شبراً.. ذراعاً.. باعاً.. هرولة”. إنها رسالة طمأنة لكل من يشعر بالبعد؛ فالله تعالى يسبقك بالفضل، ويقابلك بأكثر مما قدمت. إن خطوة واحدة منك نحو الله، يقابلها فيض من العطايا والقبول الذي لا يخطر على قلب بشر.
حسن الظن بالله: مفتاح الخروج من درك المعصية
فما أرحمك يا رب بعبادك! وما ألطفك بهم! وما أعظم عطاءك لهم! وأنت تطمئن عبادك بأنك عند حسن ظنِّهم بك وإن اقترفوا الذنب، وذلك بمجرد التوبة الصادقة، واستغفارهم ربَّهم من ذنبهم.
من هنا، يتحتم على العبد المسلم أن يدرك أن حسن الظن بالله هو عبادة قلبية رفيعة. فاليأس ليس من صفات المؤمنين، والقنوط هو ثمرة من ثمار الجهل بسعة أسماء الله الحسنى وصفاته العلا. إن الله تعالى هو الغفور الذي يغفر الذنوب جميعاً، وهو الرحيم الذي يرحم ضعف عباده.
عندما يرتكب العبد ذنباً، يجب ألا يكون هذا الذنب سبباً في هروبه من الله، بل يجب أن يكون سبباً في فراره إلى الله. إن الهروب من الله لا يكون إلا إليه، واليقين التام بأن الله ينتظر عودتك هو المحرك الأساسي لعملية الإصلاح النفسي والروحي.
استراتيجية مواجهة هواجس اليأس
إن على العبد المسلم أن يكون متطلِّعًا دومًا إلى رحمة الله تعالى، ولا يستسلم لهواجس اليأس والقنوط التي تنتابه بوسوسة الشيطان. هذه الهواجس هي مجرد أوهام يحاول العدو من خلالها أن يثني العبد عن مسيرة الرقي الأخلاقي.
ولمواجهة هذه المشاعر، يجب اتباع الخطوات التالية:
1. المبادرة الفورية: لا تسوف في التوبة، فالتسويف هو جند من جنود إبليس.
2. اليقين المطلق: اطلب المغفرة من الله سبحانه وتعالى بيقين تام، وحُسْن ظَنٍّ مُطلَق، ودون تردُّد.
3. استشعار اللطف الإلهي: تيقن أنك ستجد الله تعالى غفورًا رحيمًا، مسارعًا بلطفه- جل وعلا- بقبول التوبة والمغفرة.
4. الخروج إلى فضاء الرضا: إن التوبة هي عملية انتشال للعبد من درك المعصية المظلم، إلى فضاء الرِّضا والقبول الفسيح.
التوسل بالدعاء القرآني: منهج الاستقامة
لكي يحافظ المسلم على توازنه في هذه الحياة، وليتخطى أي تداعيات للإحباط قد تساوره، فليكن ديدن العبد المسلم، في علاقته مع ربِّه الكريم، قائمًا على نهج التوسُّل والابتهال. إن الدعاء هو مخ العبادة، وهو الحبل المتين الذي يربط الأرض بالسماء.
ومن أعظم ما يتوسل به العبد، تلك الآيات الخاتمة لسورة البقرة، التي تحمل في طياتها معاني الاعتراف بالضعف البشري وطلب العفو الشامل، حيث يقول تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تحمل عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286].
تأمل في هذا التدرج في الدعاء:
- العفو: وهو محو أثر الذنب.
- المغفرة: وهي ستر الذنب عن الخلق.
- الرحمة: وهي التفضل بالإحسان بعد العفو والستر.
إن هذا الدعاء يمثل خارطة طريق للنجاة من الإحباط؛ فهو يعلمنا أن النسيان والخطأ من طبيعتنا، وأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، وأن الفوز الحقيقي يكمن في نيل رضا الله وعفوه ومغفرته، وذلك هو الفوز المبين الذي لا خسارة بعده.
الخاتمة: دعوة للتفاؤل والعمل
أيها المسلم، إن باب التوبة مفتوح لا يُغلق، ورحمة الله واسعة لا تضيق. فلا تجعل من ذنوبك قيداً يمنعك من السير نحو الله، بل اجعل من انكسارك بين يديه منطلقاً لرفعة شأنك في الدنيا والآخرة. تذكر دائماً أن الله يفرح بتوبة عبده، وأن كل لحظة تمر وأنت تستغفر هي لحظة بناء لروحك وتطهير لقلبك. كن حسن الظن بربك، مقبلاً عليه، واثقاً في وعده، وستجد أن فضاء الرضا والقبول يتسع لك مهما كانت ذنوبك، فالله هو الغفور الرحيم، وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، وإليه ترجع الأمور.

اترك تعليقاً