# لباس المرأة المسلمة: منارة العفة وسبيل النجاة في الدنيا والآخرة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، والصلاة والسلام على مبعوث العناية الإلهية، محمد بن عبد الله، الذي تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. أما بعد؛ فإن قضية لباس المرأة المسلمة ليست مجرد مسألة شكلية أو مظهراً خارجياً خاضعاً لتقلبات الموضة وصرخات العصر، بل هي عبادة وقربة، وطاعة لرب الأرض والسماوات، وهي السياج المنيع الذي يحفظ للمرأة كرامتها، وللمجتمع طهارته وعفافه.
أولاً: النداء الرباني والتشريع الإلهي للجلباب
لقد جاء التشريع الإسلامي ليضع النقاط على الحروف في مسألة الستر، فلم يتركها للأهواء البشرية، بل أنزل فيها قرآناً يتلى إلى يوم القيامة. يقول الله تبارك وتعالى في محكم تنزيله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 59].
تأملي يا أمة الله في هذا النداء الجليل؛ لقد بدأ الله عز وجل بأمهات المؤمنين وبنات النبي الكريم ليكون القدوة والأساس، ثم عمم الحكم لجميع نساء المؤمنين. والجلباب في اللغة هو الثوب الواسع الذي يستر البدن كله. والغاية من هذا الستر ليست التضييق، بل هي الحماية والصيانة؛ {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ}. فالحجاب هو علامة العفة، وهو الرسالة الصامتة التي تقول لكل من تسول له نفسه السوء: “هنا حصن منيع لا سبيل للوصول إليه”.
إن رحمة الله تتجلى في قوله {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}، فهو سبحانه يغفر ما سلف من تقصير إذا صدقت التوبة وأُتبع الغفران بالالتزام بشرعه ومنهجه في لباس المرأة المسلمة.
ثانياً: هدي السنة النبوية في طول الثوب وساتريته
لم تكتفِ الشريعة بالأمر العام بالجلباب، بل فصلت السنة المطهرة في هيئة هذا اللباس لضمان الستر الكامل. فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال صلى الله عليه وسلم: «من جَر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة»، فقالت أُم سلمة رضي الله عنها -وهي الحريصة على ستر عورات النساء-: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: «يرخين شبرًا»، قالت إذن تنكشف أقدامُهن، قال «فيُرخين ذراعًا لا يَزِدن عليه»؛ (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح).
مفارقة عجيبة في عصرنا الحالي
من خلال هذا الحديث الشريف، نستخلص قواعد جوهرية في فقه اللباس:
1. وجوب ستر القدمين: لقد أدركت أم سلمة بفطرتها الإيمانية أن قدم المرأة عورة يجب سترها، وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، بل وأذن للنساء بإطالة الثوب ذراعاً خلفهن لضمان عدم انكشاف الأقدام أثناء المشي.
2. التفرقة بين الرجال والنساء: أمر الشارع الرجال بتقصير الثياب بحيث لا تتجاوز الكعبين (منعاً للإسبال والخيلاء)، بينما أمر النساء بإطالة الثياب لتغطية كامل البدن بما في ذلك الأقدام.
ولكن، ويا للأسف! نعيش اليوم زمناً انقلبت فيه الموازين؛ فأصبحنا نرى بعض الرجال يطيلون ثيابهم حتى تلامس الأرض خيلاءً أو تبعاً للموضة، معرضين أنفسهم لوعيد النار، وفي المقابل نرى بعض النساء يقصرن ثيابهن إلى الركبة أو ما فوقها، ضاربات بعرض الحائط أوامر الستر النبوية.
ثالثاً: التحذير النبوي الشديد من “كاسيات عاريات”
إن التهاون في لباس المرأة المسلمة ليس أمراً هيناً، بل هو من الكبائر التي قد تحرم صاحبتها من ريح الجنة. فقد روى الإمام مسلم في صحيحه قوله صلى الله عليه وسلم: «ونساء كاسياتٌ عاريات، مُميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البُخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لَيوجَد مِن مسيرة كذا وكذا».
ما معنى كاسيات عاريات؟
لقد فسر العلماء هذا الوصف النبوي المعجز بعدة معانٍ تنطبق تماماً على واقعنا:
- اللباس الشفاف: الذي يستر لون البشرة لكنه يصف ما تحته.
- اللباس الضيق: الذي يحدد مفاتن الجسد وتفاصيله، فهو كساء في الظاهر وعري في الحقيقة.
- اللباس القصير: الذي يكشف الساقين أو أجزاء من الجسد.
أما “رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة”، فهو إشارة دقيقة إلى تصفيفات الشعر التي ترفعه إلى الأعلى أو تضخمه ليلفت الأنظار، كأنه سنام جمل. إن الوعيد هنا شديد؛ الحرمان من دخول الجنة بل ومن شم ريحها، وهو ما يستوجب وقفة حازمة مع النفس ومراجعة شاملة لنمط اللباس.
رابعاً: الوجه والفتنة ومنطق الأولوية
إذا كان الشرع الحكيم قد أمر بستر قدم المرأة وحرم كشفها، فمن باب أولى وأحرى أن يكون ستر الوجه مقصداً شرعياً عند خشية الفتنة؛ فالوجه هو مجمع المحاسن، وبه تُعرف المرأة، وفيه تكمن أعظم الفتن. إن سفور المرأة وتبرجها ليس مجرد حرية شخصية، بل هو في جوهره تقليد أعمى لثقافات لا تؤمن بقدسية العفاف، وتشبه بالكافرات والأجنبيات.
وقد حذرنا المصطفى صلى الله عليه وسلم من هذا الذوبان الثقافي بقوله: «مَن تشبه بقوم فهو منهم» (رواه أبو داود). إن التقليد الحقيقي الذي ينفع الأمة هو التقليد في القوة العلمية والصناعية، لا في مظاهر التفسخ الأخلاقي. وكما قال الشاعر بلسان الحال:
*قلَّدوا الغربي لكن بالفجور ** وعن الُّلبِّ استعاضوا بالقشور*
يا ليتنا اقتبسنا منهم أسرار التكنولوجيا، وصناعة الغواصات، وعلوم الفضاء، بدلاً من الركض خلف صرعات الموضة التي تهدم الحياء وتخدش الوقار.
خامساً: المسؤولية الكبرى.. “كلكم راع”
إن مسؤولية لباس المرأة المسلمة لا تقع على عاتقها وحدها، بل هي أمانة في عنق كل ولي أمر؛ من أب، وزوج، وأخ. إن القوامة التي منحها الله للرجل ليست تسلطاً، بل هي حماية ورعاية ومسؤولية أمام الله يوم القيامة.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع، وكُلكم مسؤول عن رعيته» (متفق عليه). فسؤال الله لك أيها الأب عن ابنتك، وأيها الزوج عن زوجتك، سيكون سؤالاً عسيراً: هل أمرتهن بالستر؟ هل غرت على محارمهن؟ هل كنت لهن موجهاً وناصحاً؟
إن السكوت عن تبرج النساء في البيت هو نوع من التفريط في الأمانة، والغيرة المحمودة هي التي تدفع الرجل لصيانة أهله من نظرات العابثين، ومن سخط رب العالمين.
سادساً: مواصفات اللباس الشرعي للمرأة
بناءً على ما سبق من نصوص، يمكننا تلخيص شروط لباس المرأة المسلمة فيما يلي:
1. الاستيعاب: أن يستر جميع بدن المرأة (مع الخلاف السائغ في الوجه والكفين، والستر أحوط وأفضل).
2. أن لا يكون زينة في نفسه: بحيث لا يلفت الأنظار بألوانه الصارخة أو زخارفه.
3. أن يكون واسعاً فضفاضاً: لا يصف حجم الأعضاء ولا يحدد الجسم.
4. أن يكون صفيقاً (ثخيناً): لا يشف عما تحته.
5. أن لا يكون مبخراً أو مطيباً: لقوله صلى الله عليه وسلم في النهي عن خروج المرأة متعطرة.
6. أن لا يشبه لباس الرجال: للنهي الصريح عن تشبه النساء بالرجال.
7. أن لا يشبه لباس الكافرات: تميزاً للهوية الإسلامية.
خاتمة: العودة إلى رحاب الطهر
إن الالتزام بضوابط لباس المرأة المسلمة هو عنوان الوفاء لله ولرسوله، وهو الطريق الوحيد لبناء مجتمع فاضل تسوده القيم الرفيعة. يا أختاه، تذكري أن جمالك الحقيقي في حيائك، وأن قيمتك عند الله تقاس بتقواكِ والتزامك بأوامره، لا بمدى مسايرتك لصرعات الموضة التي تنقضي بمرور الأيام.
فلنتقِ الله في أنفسنا، ولنعد إلى رحاب الستر والعفاف، ولنكن ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، عسى الله أن يشملنا بعفوه ورحمته، ويجمعنا في مستقر رحمته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً