لسان الضاد وعزة الهوية: نحو ميثاق حضاري في قضية التعريب

لسان الضاد وعزة الهوية: نحو ميثاق حضاري في قضية التعريب

لسان الضاد وعزة الهوية: نحو ميثاق حضاري في قضية التعريب

لقد جبلت العقول النيرة على أن تباين المدارك واختلاف المشارب لا يفسد للود قضية، بل هو في حقيقته إثراء للفكر وتوسيع لآفاق النظر. ومنذ قديم الزمان، كانت ساحات العلم تموج بالمطارحات الرصينة التي تمخضت عن فكر سديد وعلم نافع، مما جعل من الاختلاف رحمة ومن الحوار سبيلاً للرشاد.

أدب الخلاف وسعة الأفق الفكري

لقد استوقفني حوار ممتع، ونقاش مستفيض حول مصطلحي (الحاسوب) و(الكمبيوتر)، وهو في جوهره ليس مجرد خلاف لفظي، بل هو فرع من أصل أصيل، وقضية كبرى تتمثل في الصراع المحتدم بين الأصيل والدخيل، وبين تيار التعريب وتيارات التغريب.

وإن مما يثلج الصدر ويدعو للإكبار، ذلك الرباط الوثيق من الأخوة الذي جمع بين المتحاورين، واعتصامهم بالحق الذي جعلوا منه رائدهم ومنهجهم، فكان خلافهم أدباً، وحوارهم علماً، مما أثمر تخصيص ركن ركين لقضايا اللغة العربية، وفتح ندوة متخصصة لتعريب الحاسوب وتقنية المعلومات، فلله در القائمين على هذا المنبر وجزاهم الله عن العربية وأهلها خير الجزاء.

معركة المصطلحات: بين الأصالة والتبعية

إن وقوفي في صف التعريب ليس مجرد انحياز عاطفي، بل هو موقف مبدئي يذود عن حياض الهوية، ويستند إلى حقائق الوجود الحضاري. ويمكن تلخيص مبررات هذا التوجه في النقاط التالية:

  • استقلال الشخصية الحضارية: إن اللغة هي وعاء الفكر، والتمسك بالمصطلح العربي هو تمسك بالسيادة الفكرية.
  • توطين المعرفة: لا يمكن للعلم أن يتغلغل في وجدان الأمة إلا إذا نطق بلسانها وفهمته عامتها.
  • القدرة الاشتقاقية: تمتاز العربية بمرونة فائقة في توليد المصطلحات القادرة على استيعاب أدق تفاصيل التقنية.

خلود العربية بخلود الذكر الحكيم

إن اليقين الذي لا يداخله ريب، والاعتقاد الذي لا يخالجه شك، هو أن انتصار اللغة العربية واستحكام أمرها في سائر العلوم هو نتيجة حتمية، تشير إليها كل المقدمات وتؤيدها الشواهد القاطعة. فالعربية باقية بقاء الزمان، محفوظة بحفظ الوحي الإلهي، فهي لسان القرآن الكريم الذي تعهد الله سبحانه وتعالى بحفظه.

يقول الله عز وجل في محكم التنزيل: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر:9). فمادام في الأرض قرآن يتلى، وذكر يرفع، فإن العربية ستظل شامخة، والتعريب سيظل ضرورة تفرضها طبيعة هذا الدين وهذه اللغة.

الخاتمة

إذا كان الأمر كذلك، فما أجدرنا أن ننال شرف هذه المشاركة، وأن نجعل من منابرنا الثقافية سباقة لتحقيق هذه الغاية السامية في غدٍ مأمول قريب. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لخدمة لغة كتابه، وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم، وأن يعز بنا دينه ولغة نبيه صلى الله عليه وسلم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *