# لعله آخر رمضان: نداء التغيير قبل فوات الأوان
أقبلت نفحات الجنان، وفتحت أبواب السماء، وهبت رياح الإيمان لتوقظ القلوب الغافلة. رمضان أقبل، ذلك الضيف العزيز الذي يزورنا كل عام ليغسل أرواحنا من كدر الدنيا وذنوب العام. يقول الشاعر في استقباله:
*رمضان أقبلَ قم بنا يا صـاحْ .. هذا أوان تبتل وفــــلاحْ*
*فاغنم ثوابَ صيامِه وقيامِـه .. تسعدْ بخيرٍ دائمٍ وفلاحْ*
إن المؤمن الصادق هو من يرى في هذا الشهر العظيم فرصةً ذهبية لا تتكرر، ومحطةً إيمانية للتزود بالتقوى. إنه الوقت الأنسب للوقوف مع النفس محاسبةً ومراجعة، لتصحيح ما فات من تقصير، واستدراك ما هو آتٍ من عمر، قبل أن تحل السكرات، وتبدأ الآهات، وتشتد الكربات حيث لا ينفع ندم.
وقفة مع النفس: من الذي رحل؟
حريٌّ بنا في هذه الفرصة أن نغير من أحوالنا، ونُحسِّن من أوضاعنا، فنفكِّر في مآلنا ومصيرنا قبل فراق حياتنا. تأمل يا أخي فيمن شهدوا معنا رمضان الماضي؛ كم من قريبٍ وصديقٍ كان يملأ مائدتنا ضحكاً وأُنساً، واليوم قد واراه التراب، وصار رهين عمله، وفارق الأهل والأحباب! إن بقاءك إلى هذا الرمضان هو هبةٌ ربانية، وفرصةٌ قد تكون الأخيرة، فاجعل شعارك: “لعله آخر رمضان”.
أولاً: رمضان فرصة للارتقاء إلى مقام المتقين
إن الغاية الكبرى من الصيام ليست الجوع والعطش، بل هي تحصيل التقوى. قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]. هذه هي الحكمة العظمى، وتلك هي الفائدة الكبرى: تربية النفس، وصلاح القلب، ومراقبة الله عز وجل.
فأين نحن من تقوى الله؟ وأين نحن من العمل على صلاح قلوبنا والاستعداد للقاء ربنا؟ لقد كانت التقوى سمة بارزة في مجتمع السلف الصالح. هذا إمام المتقين صلى الله عليه وسلم، كان يقوم الليل حتى تتفطَّر قدماه، وهو الذي غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، وحين سُئل قال: “أفلا أكون عبداً شكوراً؟”.
وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، خليفة رسول الله، كان من شدة خوفه من الله يقول: “ليتني كنت شجرة تُعضد ثم تؤكل”. ويُروى أنه أكل لقمة من طعام جاء به خادمه، ثم علم أن مصدرها شبهة كهانة في الجاهلية، فارتعدت فرائصه وأدخل يده في فمه وقاء كل ما في بطنه وقال: “والله لو لم تَخرج تلك اللقمة إلا مع نفْسي لأخرجتها”.
وحتى الملوك والسلاطين لم تمنعهم هيبتهم من الخضوع للتقوى؛ فهذا هارون الرشيد، الذي بلغ ملكه أقصى البلاد، ناداه يهودي يوماً: “يا أمير المؤمنين، اتَّقِ الله!”، فنزل هارون من موكبه وسجد لله خشوعاً، وقضى حاجة الرجل. ولما سُئل في ذلك قال: “تذكَّرت قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: 206]، فخشيت أن أكون ذلك الرجل”.
ثانياً: رمضان لمن فرط في صلاته
يا من هجرت المساجد، أو أخرت الصلاة عن وقتها، أو تركت الخشوع فيها؛ اعلم أن الصلاة هي العمود الذي يقوم عليه دينك. إن التهاون فيها خطأ قاتل ومصير مهلك. قال عز وجل: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59].
قال ابن عباس: “الغي الخسران”، وقال ابن مسعود: “الغي: وادٍ في جهنم بعيد القعر خبيث الطعم”. ويحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر».
يقول ابن القيم رحمه الله: “لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمدًا من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، وأن إثمها عند الله أعظم من قتل النفس وأخذ الأموال، ومن إثم الزنا والسرقة وشرب الخمر”. فاجعل من رمضان هذا العام بداية لعهد جديد مع السجود، فلا تكن ممن قال فيهم الشاعر:
*يا تاركاً لصلاتــــــه .. إن الصلاة لتشتكي*
*وتقول في أوقاتها .. الله يلعن تاركـــــي*
ثالثاً: رمضان وتجديد العهد مع القرآن
هل هجرت القرآن قراءةً وتدبراً وعملاً؟ اجعل رمضان بداية التغيير. ليكن لك ورد يومي لا تتركه مهما كانت الظروف. تذكر فضل الشفاعة، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربِّ منعته الطعام والشهوة، فشفِّعني فيه، ويقول القرآن: أي رب منعتُه النوم بالليل، فشفِّعني فيه، فيشفعان».
إن القلوب الطاهرة لا تشبع من كلام الله، كما قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: “لو طهُرت قلوبنا، ما شبِعت من كلام ربنا”.
رابعاً: الاستزادة من النوافل والقربات
رمضان هو موسم القلوب المفتوحة، فمن كان مقصراً في النوافل فليبدأ الآن. إن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة، فإن نقصت، قال الله لملائكته: «انظروا هل له من تطوُّع، فإن كان له تطوعٌ أُكمِلت الفريضة من تطوُّعه».
وقد وعد الله المحافظين على النوافل بمحبته الخاصة، ففي الحديث القدسي: «ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحبته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به… ولئن سألني لأُعطينَّه، ولئن استعاذني لأُعيذنَّه».
خامساً: مدرسة الصبر والحلم
إذا كنت سريع الغضب، فقليل الصبر، فتعلم من صيامك الحلم. أنت تصبر على الجوع والعطش ساعات طويلة، أفلا تصبر على هفوات الناس؟ تذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كظم غيظًا وهو قادر على أن يُنفذه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق، حتى يُخيره من أي الحور العين شاء».
سادساً: التحذير من الإسراف وأكل الحرام
إلى الذين جعلوا بطونهم أكبر همهم في رمضان، تذكروا قوله تعالى: {وكلوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 32]. الطعام وسيلة للتقوي على العبادة لا غاية في حد ذاته.
أما من ابتلي بأكل الحرام من ربا أو رشوة، فليعلم أن ذلك مانع لاستجابة الدعاء. ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يمد يديه إلى السماء: “يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغُذِي من حرام، فأنى يُستجاب لذلك؟”. اتقِ الله في كسبك، فإنك ستُسأل عن مالك من أين اكتسبته وفيمَ أنفقته.
سابعاً: علاج قسوة القلب وحفظ اللسان
إذا شعرت بقسوة في قلبك، فبادر بزيارة المقابر وتأمل في أحوال سكانها؛ ذهب الجمال والمال وبقيت الأعمال. يقول الحسن البصري: “إذا لم تقدر على قيام الليل، ولا صيام النهار، فاعلم أنك محروم، قد كبَّلتك الخطايا والذنوب”.
واحذر من ضياع أجر صيامك بلسانك، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «من لم يدَعْ قولَ الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدَعَ طعامَه وشرابه». وقال جابر رضي الله عنه: “إذا صمت فليصُم سَمعك وبصرك ولسانك عن الكذب، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك”.
خاتمة: نداء للمسرفين على أنفسهم
يا من أسرفت في المعاصي، ويا من أضعت أوقاتك في المسلسلات والمنكرات؛ إن لله في كل ليلة من رمضان عتقاء من النار، فاجتهد أن تكون أحدهم. بادر بالتوبة قبل أن يغلق الباب، فما هذا الأمل الطويل وأنت لست بمخلد؟ ميز ما يبقى عما يفنى، واطلب الأجود عند الله.
اجعل من هذا الشهر نقطة تحول حقيقية، وصحح مسارك، فربما يكون هذا هو رمضانك الأخير.

اترك تعليقاً