المادة المظلمة والبعد الخامس: هل نعيش في كون أكبر مما نتخيل؟
لطالما كانت المادة المظلمة هي "الشبح الكوني" الأكبر في علم الفيزياء؛ فنحن ندرك وجودها من خلال تأثير جاذبيتها، لكننا لا نراها ولا نستطيع رصدها بأي وسيلة تقليدية. إلا أن دراسة حديثة يقودها علماء من جامعتي برشلونة وهايدلبرغ قد تقلب مفاهيمنا رأساً على عقب، مقترحةً أن سر اختفاء هذه المادة لا يكمن في طبيعتها الكيميائية، بل في مكان وجودها: البعد الخامس.
الفرميونات: جسيمات مألوفة في أبعاد غير مألوفة
يفترض الفريق البحثي، بقيادة ماريا غارسيا ويوهان شولتز، أن المادة المظلمة قد تتكون من جسيمات تُعرف بـ الفرميونات. وهي ذات اللبنات الأساسية التي تشكل الإلكترونات والكواركات في عالمنا الملموس.
لكن الاختلاف الجوهري يكمن في أن هذه الفرميونات المظلمة لا تكتفي بالأبعاد الأربعة التي نعرفها (الطول، العرض، الارتفاع، والزمن)، بل تمتد لتشغل بعداً خامساً منحنياً، مما يجعلها خارج نطاق رؤيتنا المباشرة.
كيف يختبئ البعد الخامس؟ (تشبيه السلك)
لتبسيط هذه الفكرة المعقدة، يمكننا تخيل البعد الخامس كـ "سلك كهربائي" ممتد:
- من بعيد: يظهر السلك كخط رفيع أحادي البعد.
- عن قرب: نكتشف أن للسلك محيطاً دائرياً يمثل بعداً إضافياً مخفياً.
بنفس الطريقة، قد يكون البعد الخامس مضغوطاً أو منحنياً لدرجة تجعل الجسيمات العادية محصورة في أبعادنا الأربعة، بينما تمتلك المادة المظلمة القدرة على "الانزلاق" في هذا البعد الإضافي.
نموذج الأبعاد المنحنية: حل لغز الفشل التجريبي
على مدار عقود، استثمر العلماء مليارات الدولارات في تجارب تحت الأرض لرصد جسيمات المادة المظلمة، لكن النتائج كانت دائماً صفراً. تشير الدراسة الجديدة إلى أن السبب قد لا يكون ضعف الأجهزة، بل خطأ في الفرضية الأساسية.
لماذا لم نجدها حتى الآن؟
- الوجود المكاني: المادة المظلمة ليست "خارج الكون"، بل في نسيجه، لكن في اتجاه إضافي لا تصله أدواتنا.
- تغير الخصائص: عند انتقال الفرميونات للبعد الخامس، تكتسب كتلة وخصائص مختلفة (المادة المظلمة الفرميونية).
- مشكلة التسلسل الهرمي: يفسر هذا النموذج سبب فشل "النموذج المعياري" في تفسير سلوك جسيمات مثل بوزون هيغز.
الجاذبية: الجسر الوحيد بين العوالم
رغم أن الضوء والقوى الكهرومغناطيسية لا يمكنها العبور إلى البعد الخامس، إلا أن الجاذبية تظل القوة الوحيدة القادرة على اختراق كافة الأبعاد. وهذا يفسر لماذا نشعر بتأثير المادة المظلمة على المجرات بينما تظل غير مرئية.
ويعلق الباحثون آمالاً كبيرة على مراصد موجات الجاذبية مثل LIGO في أمريكا و Virgo في إيطاليا. هذه الأجهزة، التي رصدت سابقاً اندماج الثقوب السوداء، قد تكون قادرة في نسخها المطورة على التقاط إشارات خفية ناتجة عن تفاعلات المادة المظلمة في ذلك البعد الخفي.
خاتمة: إعادة تعريف الواقع
إذا ثبتت صحة فرضية البعد الخامس، فإننا لسنا بصدد اكتشاف جسيم جديد فحسب، بل نحن أمام إعادة تعريف شاملة للكون. سيصبح ما نراه ونلمسه مجرد قشرة رقيقة لواقع أعمق وأكثر تعقيداً، حيث تختبئ أسرار الكون العظمى في طيات أبعاد لا نراها، لكننا نعيش في كنف تأثيرها.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً