مقدمة: مفارقة المياه في المناخ المريخي البارد
لطالما واجه علماء الكواكب معضلة كبرى عند دراسة تاريخ كوكب المريخ؛ فبينما تظهر الأدلة الجيولوجية التي جمعتها المركبات الجوالة والمدارات وجود آثار واضحة لمجاري مائية وبحيرات قديمة، تشير النماذج المناخية إلى أن الكوكب الأحمر كان، في معظم تاريخه، أبرد من أن يسمح بوجود مياه سائلة على سطحه. ومع ذلك، تقدم دراسة جديدة نُشرت في دورية AGU Advances حلاً قد ينهي هذا الجدل، حيث تشير إلى أن البحيرات الصغيرة في فوهة غيل (Gale Crater) والمناطق الاستوائية المريخية ربما ظلت سائلة لعقود طويلة بفضل آلية عزل بسيطة وغير متوقعة.
المنهجية: تطويع نماذج الأرض لفهم المريخ
بدأ فريق البحث من جامعة رايس (Rice University)، بقيادة طالبة الدكتوراه إلينور مورلاند، بتطبيق أدوات مستخدمة عادةً في دراسة مناخ الأرض. استخدم الفريق إطار عمل يُعرف باسم «نمذجة الأنظمة الوكيلة» (Proxy System Modeling)، وهو أسلوب طورته سيلفيا دي، الأستاذة المشاركة في علوم الأرض والبيئة، لإعادة بناء المناخات القديمة باستخدام مؤشرات غير مباشرة مثل حلقات الأشجار أو لبات الجليد.
ونظراً لافتقار المريخ إلى هذه السجلات البيولوجية، اعتمد الباحثون على البيانات التي جمعتها المركبات الجوالة التابعة لناسا، مثل «كيريوسيتي»، حيث استُخدمت التكوينات الصخرية والرواسب المعدنية كبدائل للسجلات المناخية. قام الفريق بتطوير نموذج خاص يُسمى «LakeM2ARS» (نمذجة البحيرات على المريخ مع إعادة بناء المحاكاة الغلاف الجوي)، وهو نموذج معدل ليناسب ظروف المريخ قبل 3.6 مليار سنة، مع مراعاة عوامل مثل ضعف الإشعاع الشمسي، والغلاف الجوي الغني بثاني أكسيد الكربون، والاختلافات الجاذبية والموسمية الفريدة للكوكب.
أجرى الفريق 64 سيناريو اختبارياً، تحاكي كل منها بحيرة افتراضية داخل فوهة غيل لمدة 30 عاماً مريخياً (ما يعادل 56 عاماً أرضياً)، لاختبار مدى استقرار المياه السائلة تحت ظروف جوية متباينة.
الاكتشاف العلمي: الجليد الرقيق كعازل طبيعي
أظهرت نتائج المحاكاة أن المفتاح لبقاء البحيرات سائلة يكمن في «الجليد الموسمي الرقيق». فبدلاً من أن تتجمد البحيرات تماماً لتصبح كتلاً صلبة، تشكلت طبقة رقيقة من الجليد على السطح خلال الفترات الباردة. عملت هذه الطبقة كغطاء عازل (Insulating lid)، حيث قللت من معدلات التبخر وفقدان الحرارة، بينما سمحت لأشعة الشمس باختراقها وتسخين المياه الكامنة تحتها خلال فترات النهار أو الفصول الأقل برودة.
هذا النموذج يفسر لماذا تبدو قيعان البحيرات المريخية القديمة محفوظة بشكل جيد اليوم؛ فالجليد الرقيق الذي يظهر ويختفي موسمياً لا يترك خلفه آثاراً جيولوجية ضخمة مثل الجبال الجليدية أو الركامات الحتية التي تتركها الأنهار الجليدية الدائمة. وصرحت كريستين سيباخ، المشاركة في الدراسة: “هذا الغطاء الجليدي الموسمي يتصرف مثل بطانية طبيعية للبحيرة، فهو يحميها في الشتاء ويسمح لها بالذوبان جزئياً في الصيف”.
الأهمية العلمية والنتائج المترتبة
تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تتحدى الافتراض القائل بأن المريخ كان يحتاج إلى فترات دافئة مستمرة وطويلة ليدعم وجود المياه السائلة. بدلاً من ذلك، تقترح النتائج أن المريخ «البارد والمستقر» كان بإمكانه الحفاظ على بيئات مائية دائمية في مناطق محددة، مما يعزز فرضية وجود بيئات كانت قابلة لاستضافة الحياة قديماً.
كذلك، يفسر هذا النموذج التناقض بين وجود الشواطئ والرواسب الطبقية التي تتطلب مياهاً مستقرة، وبين النماذج المناخية التي كانت تصر على تجمد الكوكب. فالاستقرار المائي لم يكن ناتجاً عن حرارة الجو، بل عن فيزياء العزل الحراري للطبقات الجليدية الرقيقة.
آفاق مستقبلية: البحث عن الحياة
يخطط الباحثون الآن لتطبيق نموذج «LakeM2ARS» على أحواض مريخية أخرى لمعرفة ما إذا كانت هذه الظاهرة منتشرة في جميع أنحاء الكوكب. كما يسعون لاستكشاف تأثير تغير تكوين الغلاف الجوي وتدفق المياه الجوفية على استقرار هذه البحيرات عبر العصور الجيولوجية المختلفة. إذا ثبتت صحة هذه الأنماط عالمياً، فإن المريخ القديم، رغم برودته، ربما كان عالماً مليئاً بالواحات المائية المستقرة التي وفرت المكونات الأساسية للحياة تحت غطاء من الجليد.
المصدر العلمي: ScienceDaily


اترك تعليقاً