بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على الانسحاب الأمريكي الدراماتيكي من كابل، عاد ملف "السيادة الجوية" الأفغانية إلى واجهة الأحداث العالمية مجدداً. ففي مشهد أعاد للأذهان تعقيدات المشهد الأمني في البلاد، عُثر على حطام طائرة بدون طيار متطورة في ولاية "ميدان وردك"، جنوب العاصمة كابل، مما أثار موجة من التساؤلات حول طبيعة العمليات الجوية الأجنبية المستمرة فوق الأراضي الأفغانية.
تفاصيل الواقعة: صمت رسمي وضجيج رقمي
بدأت القصة بتداول صور عبر حسابات مقربة من حركة طالبان على منصات التواصل الاجتماعي، تُظهر بقايا طائرة مسيّرة جاثمة فوق تلة غطاها الجليد في ولاية وردك. وفي حين أظهرت الصور عناصر من الحركة يتفقدون الحطام، التزمت السلطات الرسمية في كابل الصمت لعدة أيام قبل أن تخرج بتصريحات حذرة.
وتعد هذه الحادثة هي الثانية من نوعها في الآونة الأخيرة، حيث سُجلت واقعة مماثلة في ولاية قندهار جنوب البلاد، مما يعزز فرضية وجود نشاط استخباراتي مكثف في الأجواء الأفغانية بعيداً عن أعين الرادارات المحلية.
هل أُسقطت الطائرة؟ قراءة في المعطيات التقنية
رغم الروايات غير الرسمية التي حاولت الإيحاء بعمل عسكري، يميل الخبراء العسكريون إلى فرضية "العطل الفني". وبحسب الباحث في شؤون الدفاع، جمال حبيبي، فإن هناك مؤشرات تقنية قوية تدعم ذلك:
- سلامة الهيكل: يظهر الحطام في الصور شبه متماسك، وهو ما ينفي تعرض الطائرة لصاروخ أو استهداف مباشر يؤدي عادةً إلى تناثر الشظايا واحتراق الجسم بالكامل.
- التوزيع الجغرافي: سقوط الحطام في نطاق ضيق يشير إلى هبوط اضطراري أو سقوط حر نتيجة خلل ميكانيكي.
- العوامل الجوية: التضاريس الجبلية الوعرة في وسط أفغانستان والبرودة القاسية قد تؤدي إلى تجمد أجهزة الاستشعار أو نقص الوقود، مما يخرج الطائرة عن السيطرة.
موقف حكومة كابل: تحقيق في ظل "فراغ تقني"
في تصريح خاص، أكد المتحدث باسم الحكومة الأفغانية، ذبيح الله مجاهد، أن التحقيقات بدأت بالفعل للوقوف على ملابسات الحادث وتحديد هوية الطائرة، مشيراً إلى أن النتائج ستُعلن فور اكتمالها.
ومع ذلك، يبرز التحدي الأكبر أمام طالبان في تصريحات وزير الدفاع، محمد يعقوب مجاهد، الذي اعترف سابقاً بأن القوات الأمريكية دمرت المنظومات الرادارية قبل رحيلها، مما جعل الأجواء الأفغانية "مباحة" للاختراقات المتكررة التي تصفها كابل بأنها انتهاك للسيادة الوطنية واتفاق الدوحة.
"إم كيو 9-إيه ريبر": الوحش الأمريكي فوق الجبال
أكدت بيانات "شبكة سلامة الطيران الأمريكية" أن الطائرة المحطمة هي من طراز MQ-9 Reaper، وهي درة التاج في سلاح المسيرات الأمريكي. وتتميز هذه الطائرة بخصائص فريدة:
- مهام متعددة: قدرة فائقة على الاستطلاع والمراقبة وجمع المعلومات الاستخباراتية.
- دقة عالية: إمكانية تنفيذ ضربات جراحية عند تسليحها بصواريخ موجهة.
- تحليق شاهق: تعمل على ارتفاعات تجعل من الصعب استهدافها بالأسلحة التقليدية المتوفرة حالياً لدى طالبان.
معضلة السيادة: سيطرة على الأرض وفراغ في السماء
تكشف حادثة وردك عن مفارقة أمنية صارخة؛ فبينما تحكم طالبان قبضتها على الأرض، يظل "الفراغ الجوي" ثغرة تستغلها واشنطن لتنفيذ ما تسميه "عمليات الدفاع عن النفس" أو مكافحة الإرهاب عن بُعد.
ويستشهد المحللون بعملية اغتيال زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، في قلب كابل عام 2022 كدليل قاطع على استمرار التفوق الجوي الأمريكي. وفي هذا السياق، يرى الباحث السياسي رحيم الله أندر أن امتلاك قدرات دفاع جوي حقيقية يتطلب:
- بنية تحتية تقنية متكاملة.
- تدريب كوادر متخصصة لسنوات.
- اعتراف دولي يسمح باستيراد مثل هذه المنظومات المعقدة.
الخاتمة: رسائل الحطام وسط الثلوج
تتجاوز حادثة تحطم المسيرة في ولاية وردك كونها مجرد عطل فني؛ إنها تذكير حي بأن الصراع على أفغانستان لم ينتهِ بانسحاب الجنود، بل انتقل إلى طبقات الجو العليا. وبينما تنتظر كابل نتائج التحقيق، تظل الأجواء الأفغانية ساحة مفتوحة لسباق المعلومات والسيادة المؤجلة.


اترك تعليقاً