لماذا تلتزم روسيا والصين الصمت؟ كواليس الموقف الروسي والصيني من الحرب على إيران وأسرار ‘الاستنزاف الذكي’ لأمريكا

لماذا تلتزم روسيا والصين الصمت؟ كواليس الموقف الروسي والصيني من الحرب على إيران وأسرار ‘الاستنزاف الذكي’ لأمريكا

لغز الصمت الإستراتيجي: قراءة في الموقف الروسي والصيني من الحرب على إيران

منذ اندلاع المواجهة العسكرية الأمريكية/الإسرائيلية ضد إيران، ساد هدوء مريب في أروقة الكرملين وبكين. هذا الصمت لم يكسره سوى تصريحات مقتضبة، مثل تلويح الرئيس بوتين بقطع النفط عن أوروبا، أو تحذير الصين من استهداف القيادة الإيرانية الجديدة. فما الذي يدفع هذه القوى العظمى للوقوف في مقاعد المتفرجين بينما تشتعل المنطقة؟

أولاً: روسيا وإيران.. شراكة المصالح لا تحالف الخنادق

لا يمكن فهم الموقف الروسي والصيني من الحرب على إيران دون تفكيك طبيعة الروابط. بالنسبة لموسكو، تُعد العلاقة مع طهران "شراكة إستراتيجية شاملة" (وفق اتفاقية 2025) وليست حلفاً عسكرياً ملزماً بالدفاع المشترك.

أبعاد التعاون الروسي الإيراني:

  • عسكرياً: تبادل الخبرات في المسيرات والتكنولوجيا التي غيرت موازين حرب أوكرانيا.
  • سياسياً: تنسيق كامل لتقليص النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط.
  • اقتصادياً: ممرات تجارية (شمال-جنوب) لتجاوز الحصار الغربي.

لماذا لا تتدخل روسيا عسكرياً؟

تتبع موسكو سياسة "الدعم من خلف الستار"؛ فهي توفر الدعم الاستخباراتي واللوجستي، لكنها تتجنب الانخراط المباشر لثلاثة أسباب:

  1. تجنب الصدام النووي: الدخول المباشر يعني مواجهة مع واشنطن قد تتحول لحرب عالمية.
  2. ثقل الجبهة الأوكرانية: روسيا لا تريد تشتيت قدراتها العسكرية في جبهة ثانية مستنزفة.
  3. المصلحة الجيوسياسية: استنزاف أمريكا في "مستنقع إيراني" يرفع أسعار النفط ويخفف الضغط عن الجبهة الأوروبية، مما يسرع ولادة نظام عالمي متعدد الأقطاب.

ثانياً: الصين.. التنين الذي ينتظر سقوط الخصوم

أما بكين، فإن محددات موقفها تختلف؛ فالصين هي الشريك الاقتصادي الأكبر لإيران، حيث تستقبل 91% من صادراتها النفطية. ومع ذلك، ترفض بكين الانجرار لأي مغامرة عسكرية.

إستراتيجية "النمو الهادئ" الصينية:

  • أمن الطاقة: أي حرب شاملة تهدد مضيق هرمز تعني خنق الاقتصاد الصيني الذي يعاني أصلاً من تباطؤ النمو.
  • فخ التوقيت: ترى الصين أن مواجهتها الكبرى مع أمريكا مكانها "تايوان" وليس الشرق الأوسط.
  • الاستنزاف الأمريكي: تراهن بكين على أن استهلاك الذخائر والقوة الأمريكية ضد إيران سيسهل مهمتها في ضم تايوان بحلول 2027 دون مقاومة تذكر.

ثالثاً: متى يتحول "المراقب" إلى "لاعب"؟ (سيناريوهات التدخل)

رغم سياسة ضبط النفس، هناك خطوط حمراء قد تدفع الموقف الروسي والصيني من الحرب على إيران نحو التصعيد:

  1. تهديد وجود الدولة: إذا اقتربت الحرب من إسقاط النظام الإيراني كلياً، مما يعني خسارة حاجز جيوسياسي هام ضد أمريكا.
  2. خنق الممرات المائية: إذا توقفت إمدادات الطاقة العالمية بشكل يهدد الانهيار الاقتصادي لبكين وموسكو.
  3. الغزو البري الشامل: تنفيذ تهديدات الإدارة الأمريكية (مثل إدارة ترمب) بغزو بري قد يدفع القطبين لتسليح إيران بأسلحة نوعية كاسرة للتوازن.

الخلاصة: لماذا يراقبون من بعيد؟

إن الموقف الروسي والصيني من الحرب على إيران يتلخص في "الاستفادة دون مخاطرة". الطرفان يجدان في انشغال الولايات المتحدة بالحرب الإيرانية فرصة ذهبية لتعزيز نفوذهما في مناطق أخرى، مع الحفاظ على إيران كقوة إزعاج إستراتيجية للغرب، طالما لم تصل الأمور إلى حافة الانهيار الشامل الذي قد يقلب الطاولة على الجميع.

المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *