لماذا يريدوننا أن نميل؟ أسرار قوله تعالى {ميلًا عظيمًا}

مقدمة: حين ينطق الواقع بصدق الوحي

في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتكشف فيه الأوراق يوماً بعد يوم عن فضائح أخلاقية تهز أركان المجتمعات، وتقف العقول حائرة أمام حجم الانحطاط الذي قد يصل إليه الإنسان، يبرز القرآن الكريم كمنارة هادية تشخص الداء وتصف الدواء بدقة متناهية. إن ما طالعناه مؤخراً من أخبار وتفاصيل صادمة حول ما يُعرف بـ “فضائح إبستين” وغيرها من دوائر الفساد العالمي، لم يكن مجرد أخبار عابرة، بل كان تجسيداً حياً ومروعاً لآية قرآنية تلخص فلسفة الانحراف البشري في بضع كلمات.

يقول الله تبارك وتعالى في سورة النساء: {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا}. هذه الآية الكريمة ليست مجرد إخبار عن حال فئة من الناس، بل هي كشف للمخططات، وتحليل للنفس البشرية حين تتخلى عن قيود الوحي، وإرشاد للمؤمن ليعرف مواطن الخطر في صراعه مع قوى الشر.

أولاً: لماذا متبعو الشهوات وليس الشيطان؟

لعل أول ما يلفت الانتباه في هذه الآية العظيمة هو ربط إرادة الشر وإرادة إمالة الناس عن الحق بـ “الذين يتبعون الشهوات”، ولم يربطها هنا بالشيطان مباشرة، رغم أن الشيطان هو المحرك الأول، وهو الذي يوسوس ويُزيّن. فما هي الحكمة من هذا التركيز؟

1. المواجهة بمسئولية الإنسان: إن القرآن الكريم يركز هنا على “الأعوان” البشريين ليقطع المعاذير. فالإنسان في نهاية المطاف هو المسؤول عن أفعاله، وهو الذي اختار أن يكون أداة في يد الشيطان. حين يواجه الوحي الإنسان بمسؤوليته، فإنه يضعه أمام حقيقة أن الدين يرتكز على الاختيار والمسؤولية الفردية.
2. التنبيه على السبب المباشر: الشيطان غائب عن الأبصار، لكن متبعي الشهوات حاضرون بيننا، يروجون لباطلهم، ويضعون القوانين التي تشرعن انحرافهم، ويسخرون الإعلام والفن لخدمة أهوائهم. هؤلاء هم السبب المباشر في انحطاط المجتمعات، وهم الواجهة البشرية للمشروع الشيطاني.
3. طبيعة العدوى الأخلاقية: من يتبع شهوته لا يكتفي بالوقوع في الإثم وحده، بل إن من طبيعة النفس البشرية المنحرفة أنها ترغب في رؤية الجميع مثلها، حتى يزول عنها الشعور بالذنب، وحتى يصبح المنكر معروفاً والمعروف منكراً.

ثانياً: عبودية الشهوة وعمى البصيرة

تصف الآية هؤلاء القوم بأنهم “يتبعون الشهوات”، وفعل الاتباع هنا يوحي بالانقياد التام. فالشهوة حين تتمكن من النفس وتغلبها، فإنها تتحول من مجرد رغبة عابرة إلى “إله” يُعبد من دون الله، كما قال تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه}.

إن هذه العبودية للشهوة تؤدي إلى نتائج كارثية على مستوى الوعي والإدراك:

  • عمى الحقائق: حين تستعبد الشهوة نفساً ما، فإنها تعميها عن أبسط الحقائق الفطرية. يصبح القبيح حسناً، والضرر نفعاً، والمفسدة مصلحة.
  • تجاهل العواقب: متبع الشهوة لا ينظر إلى مآلات الأمور، ولا يبالي بالخسار الذي سيلحق به أو بمجتمعه، فكل همه هو إشباع تلك اللذة اللحظية، مهما كان الثمن.
  • الشقاء المستتر: خلف بريق اللذات المحرمة، يختبئ شقاء نفسي عظيم، يحاول هؤلاء تعويضه بمزيد من الانغماس في الشهوات، مما يدخلهم في حلقة مفرغة لا تنتهي إلا بالهلاك.
  • ثالثاً: دلالة “الميل العظيم”.. من الهفوة إلى الهاوية

    إن أعجب ما في الآية وأكثر معانيها بلاغة هو قوله تعالى: {مَيْلًا عَظِيمًا}. لنتأمل في دلالة كلمة “الميل” في اللغة العربية:

    الميل هو العدول الطفيف عن خط الاستواء. فإذا كنت تسير في طريق مستقيم، ثم ملت ميلاً يسيراً، فقد لا تلاحظ الفرق في البداية. ولكن، كلما طالت المسافة، زاد الابتعاد عن الطريق الأصلي حتى تجد نفسك في وادٍ سحيق بعيد تماماً عما كنت عليه.

    وهنا تبرز عدة حقائق:
    1. التدرج في الانحراف: لا يبدأ الإنسان بالكبائر العظام فجأة، بل يبدأ بـ “ميل” طفيف، بتهاون في نظرة، أو تساهل في كلمة، أو استهانة بصغيرة. هؤلاء الذين يتبعون الشهوات يريدون لنا هذا الميل الأول، لأنهم يعلمون أن الميل الصغير سيقود حتماً إلى الانجراف الكبير.
    2. تراكم الاستجابات: المعنى الكامن في الآية يشير إلى أنهم حين استهانوا بالشهوات واستجابوا لها مرة بعد مرة، داروا معها حيث دارت. امتثلوا لأمرها، وأطاعوها في كل ما ذهبت إليه، حتى انتهى بهم المطاف إلى فعل العظائم والموبقات التي تقشعر منها الأبدان، كفواحش إبستين وغيرها، والتي بدأت بالتأكيد بميل يسير.
    3. الإرادة الممنهجة: الآية تقول “يريدون”، وهذا فعل مضارع يدل على الاستمرار والقصد. هناك إرادة واعية وممنهجة من قبل متبعي الشهوات لإمالة المجتمع ككل. إنهم لا يريدونك أن تخطئ فحسب، بل يريدون لك ميلاً عظيماً، انحرافاً كلياً يقطع صلتك بالاستقامة وبالفطرة وبالخالق.

    رابعاً: كيف نواجه إرادة “الميل العظيم”؟

    أمام هذه الإرادة القوية من متبعي الشهوات، وضع القرآن الكريم في سياق الآيات سبل النجاة. فالآية التي سبقتها تقول: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.

    إن المواجهة تتطلب منا:

  • الوعي بمخططات الإفساد: يجب أن ندرك أن ما يُعرض علينا من تفكيك للأسرة، وتمييع للقيم، ونشر للميول المنحرفة، ليس تطوراً طبيعياً للبشرية، بل هو إرادة مقصودة لـ “الميل العظيم”.
  • الاعتصام بالوحي: القرآن هو الحبل المتين الذي يمنعنا من الميل. فكلما تمسكنا بحدود الله، كلما كنا أبعد عن الانجراف.
  • تزكية النفس: إن الشهوة تُحارب بالتقوى والصلة بالله. حين تمتلئ النفس بمحبة الله وخشيته، تصبح محصنة ضد إغراءات متبعي الشهوات.
  • المسؤولية الجماعية: إن إرادة متبعي الشهوات تستهدف المجتمع ككل، لذا وجب على أهل الحق أن تكون لهم إرادة مضادة في الإصلاح والتوعية وحماية الناشئة.

خاتمة: صدق الله وكذب الواقع

إن ما نراه اليوم من انحلال قيمي وفضائح أخلاقية كبرى، ليس إلا برهاناً ساطعاً على صدق ما أنزله الله في كتابه قبل أربعة عشر قرناً. لقد كشف لنا القرآن حقيقة هؤلاء القوم، وحقيقة مرادهم، وحقيقة النهاية التي ينتظرونها.

فسبحان من أشهدنا صدق كتابه في واقعنا! وسبحان من جعل في آياته شفاءً لما في الصدور، ونوراً يكشف ظلمات الفتن. إن الطريق المستقيم واضح، وسبل الميل العظيم مزينة بالشهوات، والعاقل من اختار إرادة الله وهدايته على إرادة متبعي الشهوات وغوايتهم.

علينا أن نتذكر دائماً أن كل انحراف عظيم بدأ بميل صغير استصغره صاحبه، فاستولت عليه الشهوة حتى أوردته المهالك. فاللهم ثبت قلوبنا على دينك، وباعد بيننا وبين اتباع الشهوات كما باعدت بين المشرق والمغرب.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *